Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في افتتاح احتفاليّة الذّكرى الثّانية لافتتاح الجامع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصالحات، وبتوفيقه تتحقّق المقاصد والغايات.
جعل من بيوته مناراتٍ
للعلم ومحاضن للقيم والسكينة، ومعاقل للتربية والذكر والطّمأنينة؛

والصّلاة والسّلام الأكملان الأتمّان على سيّدنا محمّد، مؤلّف القلوب على التّقى، وجامع النّفوس على الهدى؛ وباني الإنسان قبل تشييد البنيان، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه إلى يوم المآل.

أصحاب المعالي والسعادة، الوزراء، والمستشارين، والسفراء.

أصحاب السماحة المشايخ والعلماء.

حضرات السّادة الأفاضل والسيّدات الفضليات.

أيّها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه.

 

السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

 

نلتقي اليوم في رحاب جامع الجزائر، في منتصف شعبان، زمنِ التهيئة والاستعداد، وموسم رفع الأعمال. نلتقي لنحيي الذكرى الثانية لافتتاح الجامع من قبل السّيّد رئيس الجمهورية؛ ولم يكن ذلك الحدث مجرّد افتتاح معلمٍ معماريٍّ فريد، وإنّما كان إعلانًا رمزيًا لعودة المسجد الجامع إلى موقعه الطبيعيّ، في قلب المشروع الوطنيّ، بوصفه فضاءً جامعًا للعبادة والعلم، وللذاكرة والاستشراف، وللوحدة والانفتاح الرّاشد المسؤول.

إنّ عامين في عمر المؤسّسات قد يبدوان زمنًا قصيرًا؛ غير أنّهما في عمر الأفكار والمشاريع الكبرى كافيان لامتحان الرؤية، وقياس المنهج، واختبار القدرة على الانتقال، من الحُلُم
إلى المؤسّسة، ومن الرّمز إلى الوظيفة.

وقد سعى جامع الجزائر، منذ افتتاحه، إلى أن يكون وفيًّا لهذه المسؤوليّة الثقيلة، متسلّحًا بثقة الدّولة، قويّا بإرث الجزائر الدّينيّ والحضاريّ، منفتحًا على محيطه الإقليميّ والدوليّ.

لقد أردناه جامعًا لا يكتفي بعظمة الشّكل وجمال المبنى، بل يسمو بعظمة الرسالة وجلال المعنى. جامعًا يبني الإنسان كما يشيّد العمران؛ يَجمع ولا يُفرّق، ويُحصّن ولا يُقصي؛ يَفْصِل في منهجه بين الثّوابت والمتغيّرات؛ ويُخاطب العصر دون أن يتنازل عن الثوابت والخصوصيّات.

ومن هنا، فإنّ كلّ ما تحقّق، خلال العامين، هو ثمرة رؤية وطنيّة جعلت من الوسطيّة منهجًا، ومن العلم سبيلًا؛ ومن المرجعيّة الدينيّة الأصيلة ركيزة للاستقرار وحصنا منيعًا.

حضرات السّادة والسيّدات.

إنّ حضوركم اليوم، من كبار المسؤولين في الدّولة، ومن السّلك الدبلوماسي العربيّ والإسلاميّ والإفريقيّ، ومن العلماء والباحثين، وطلبة العلم، والإعلاميّين، يمنح هذه المناسبة بعدها الحقيقيّ؛ ويؤكّد أنّ جامع الجزائر لم يُنشأ ليكون معزولًا عن محيطه؛ بل ليكون جسرًا للتواصل، ومنبرًا للحوار، وفضاءً للتلاقي على القيم المشتركة، في عالم تزداد فيه الحاجة إلى خطاب مسؤول، خطاب هادئ رصين.

وفي هذا السّياق، تندرج الاتفاقيّات الّتي نشهد توقيعها اليوم بين المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية “دار القرآن” بجامع الجزائر، وكلٍّ من الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا، وجامعة الزيتونة بتونس. فهي ليست مجرّد وثائق تعاون أكاديمي، بل هي تعبير عن وعي مشترك بأنّ مستقبل العلوم الإسلاميّة لا يُبنى في الانغلاق، ولا في القطيعة، وإنّما في التكامل، وتبادل الخبرات، وربط الأصالة بالاجتهاد، والتراث بالسّياق، والمعرفة بالمسؤولية.

إنّ الجزائر، وهي تمدّ جسور التعاون مع الحواضر العلميّة، والمؤسّسات العريقة، إنّما تستعيد دورها التاريخيّ كأرض علم ورباط؛ وكحلقة وصل بين المشرق والمغرب، وبين العمق الإفريقيّ والفضاء المتوسطيّ؛ حاملةً رسالة الإسلام الوسطيّ الّذي صاغ وجدانها، وشكّل شخصيّتها، وحمى وحدتها عبر المنعطفات والمحن الشّداد.

أيّها الحضور الكريم.

لقد أدركت الدّولة الجزائريّة، في أعلى هرمها، أنّ الأمن الحقيقيّ لا يقتصر على الحدود،
بل يبدأ من الوعي؛ وأنّ السّيادة لا تُصان بالقوّة وحدها، بل تُدعّم بالمعرفة، وبخطاب دينيّ وطنيٍّ متوازن، يحصّن المجتمع من الاستلاب والتفريط؛ ويقيه شرور الغلوّ في الدّين.

ومن هذا المنطلق، جاء جامع الجزائر ليكون أحد أعمدة البناء الهادئ، في تكامل للأدوار، وفي انسجام تامّ مع مختلف المؤسّسات الدّينيّة والعلميّة والثقافيّة.

إنّنا، أيّها السّادة والسيّدات، ونحن نُقبل على مرحلة جديدة، نُدرك أنّ التحدّيات الّتي تواجه الخطاب الدينيّ اليوم لم تعد تقليديّة؛ فهي تحدّيات رقميّة، وثقافيّة، وفكريّة، عابرة للحدود. ولذلك، فإنّ مسؤوليّتنا لا تكمن في تكرار المألوف، بل في إنتاج خطاب قادر على الفهم والتأثير، وعلى مخاطبة الإنسان المعاصر بلغته وأسئلته، دون أن يفقد عمقه، ولا اتّصاله بجذوره.

ومن هنا، فإنّ الرهان المستقبلي لجامع الجزائر هو أن يظلّ فضاءً للتكوين الراقي، وللبحث العلمي الجادّ، وللحوار الحضاريّ المتوازن، وأن يكون منارةً عالميّةً، عربيّةً وإفريقيّةً، وإسلاميّةً ومتوسّطيّةً؛ تعكس صورة الإسلام الّذي عرفته الجزائر: إسلام العلم والعمل، إسلام الزوايا والمدارس، إسلام المقاومة والبناء، إسلام المرجعيّة الجامعة، بمنهجها الأصيل، الّذي يجمع في انسجام وتكامل بين الجانب التشريعيّ والجانب الرّوحيّ من الإسلام، وبه ترتبط الحياة الروحيّة بالحياة الاجتماعيّة؛ وتتحقّق الحياة الإسلاميّة المتوازنة المتكاملة.

أيّها الحضور الكريم،

إنّ هذه الذكرى ليست لحظة احتفاء بما مضى فحسب، بل هي وقفة مسؤولية لما هو آت. مسؤولية تتطلّب منّا جميعًا، مؤسّسات وأفرادًا، أن نحافظ على هذا المكسب الحضاري، ونُحسن استثماره في خدمة الإنسان والوطن؛ وأن نُبقي جامع الجزائر فضاءً مفتوحًا للعلم، ومنبرًا للقيم، ومرجعًا في الوسطيّة والاعتدال.

في الختام، أتوجّه بالشكر والتقدير إلى السيّد رئيس الجمهورية، على عنايته بهذا الصّرح الدّينيّ، وإلى مؤسّسات الدّولة التي رافقت مساره، وإلى العلماء والشركاء الذين آمنوا برسالته، ويسهمون في عمارته.

والله أسأل أن يبارك الجهود، ويسدّد الخطى؛ ويجعل الجامع حصنًا للمرجعية الوطنية، ومنارةً للهداية الرّبانيّة، وجسرًا للتعارف والتّآلف والتعاون، وأن يوفّق الجزائر، قيادةً وشعبًا، لما فيه خيرها وصلاح أمرها، في الحال والمآل.

إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.

والحمد لله ربّ العالمين.