كلمة عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في افتتاح احتفاليّة الذّكرى العاشرة لافتتاح “مركز البحث في العلوم الإسلاميّة والحضارة” بولاية الأغواط
يوم الثلاثاء 08 شعبان 1447هـ، الموافق لـ 27 جانفي 2026م.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
حضرة الأخ الفاضل السيّد محمّد بن مالك، والي الأغواط المحترم،
حضرة الأخ الكريم السيّد مبروك زيد الخير رئيس المجلس الإسلامي الأعلى،
الفاضل السيّد محمّد بوهيشة، المدير العام للبحث العلميّ والتطوير التكنولوجي،
الفاضل السيّد أحمد بن الصغير مدير مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة،
أصحاب الفضيلة المشايخ والعلماء،
حضرات السّادة الأفاضل،
حضرات السّيدات الفضليات،
أيها الحضور الكرام، كلّ باسمه ومقامه،
السّلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
يسعدني، أن أشارككم اليوم هذا اللقاء العلميّ المبارك، الذي نحتفي فيه بمرور عشرة أعوام على إطلاق مركز البحث في العلوم الإسلامية والحضارة بالأغواط؛ هذه المدينة المجاهدة، التي صمدت أمام طلائع الاحتلال الفرنسي البغيض؛ وشهدت جريمة الإبادة الجماعية لسكّانها، في محرقة كانت أولى (هولوكوست) في التاريخ الحديث، وقعت في الرابع ديسمبر سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة وألف (1852)؛ حيث ظلّ الأهالي صامدين يرفضون الاستسلام؛ فاستعملت جحافل الغاصبين ضدّهم أسلحة فتّاكة، لم تُعرف من قبل؛ وارتقى الآلاف من الشهداء الأبرار في هذه الأرض الطيبة، وسقتها دماؤهم الزكية، كما سقت أرض الجزائر كلّها دماء الشهداء، رحمهم الله، وجزاهم عن أمّتهم ووطنهم الجزاء الأوفى.
حضرات السّادة والسّيدات؛
قلت إنّنا نحتفي في هذا اللقاء بذكرى افتتاح هذا المركز العامر. وعشر سنوات مضت ليست رقماً في الذاكرة، بل محطّة وعي، ومسار بناء، وشهادة على أنّ العلم إذا ارتبط بالعمل، واقترن بالإخلاص والصبر، دام واستمرّ ، وعمّ نفعه، وطاب ثمره.
أقول هذا، وأنا أستحضر بعمق ذلك اليوم الذي شهدنا فيه معًا إعلان افتتاح هذا المركز، في سياق وطني كانت فيه الحاجة ماسّة إلى مؤسّسات علمية لا تكتفي بوصف الواقع، بل تُسهم في إعادة تشكيله، معرفيًا وقيميًا. قبل ذلك اليوم، لم يكن الرهان سهلاً، ولم تكن الطريق معبّدة؛ غير أنّ الإيمان بالفكرة، والثقة في الرجال، جعلا من المشروع واقعًا حيًّا، لا مجرّد أمل يبقى حبرًا على ورق. ويطيب لي هنا أن أشيد بالجهود المشهودة التي بذلها الأستاذ مبروك زيد الخير، بالتعاون مع زملائه الذين آزروه في النهوض بهذه الرسالة الحضارية الجليلة.
لقد أُسِّس هذا المركز على وعيٍ مبكّر بأنّ العلوم الإسلامية لا ينبغي أن تبقى حبيسة الماضي، ولا أن تنفصل عن سياقها الحضاريّ والإنسانيّ، فكانت الرؤية، منذ البداية،واضحة جلية:
علمٌ متجذّر في الأصول؛ ومتفتّح على العصر؛ ومستوعب لتعقيدات الواقع، وتحدّيات الراهن؛ ومسؤول أمام المجتمع والدولة معًا، في آن واحد.
وعندما نتأمّل مسار هذه العشرية، لا يسعنا إلاّ أن نثمّن ما تحقّق من إنجازات بحثية، وإسهامات علمية، وورشات تفكير، أسهمت في إرساخ حضور المركز في المشهد الأكاديمي، وفي فتح نقاشات جادّة حول قضايا الدّين، والهوّية، والحضارة؛ بعيدًا عن التبسيط المخلّ، أو التوظيف الإيديولوجي الضيّق.
أيّها الحضور الكريم،
إنّ قيمة المراكز البحثية لا تُقاس فقط بعدد منشوراتها، ولا بتعداد أنشطتها؛ وإنّما تُقاس أساسًا بقدرتها على إنتاج المعرفة، وعلى تجديد الأسئلة، وعلى تكوين العقول التي تحمل العلم مسؤولية، لا وجاهة. وهنا، أودّ أن أؤكّد أنّ مركز البحث، الذي نحتفل بذكراه العاشرة، كان، ولا يزال، مدعوًّا مع غيره إلى أن يكون فضاءً للنقاش الرصين، لا صدى للآراء الجاهزة؛ ومنبرًا للتفكير العميق، لا مجرّد واجهة مؤسّسية؛ وهو ما نريده لمركز البحث في العلوم الدّينية وحوار الحضارات، بجامع الجزائر، ولكافّة المراكز البحثية المنتشرة عبر الوطن في الحواضر العلمية.
ومن هذا المنطلق، فإن المستقبل الذي ننشده لمثل هذه المراكز هو مستقبل التكامل لا التكرار، والتجديد لا القطيعة، والانخراط في القضايا الكبرى للأمّة والوطن، دون تفريط في الثوابت، أو انسلاخ عن الخصوصية. مستقبل تُبنى فيه الجسور بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، والكونية؛ وبين التراث والواقع؛ وبين الجامعة والمجتمع.منابره تعبّر عن الفكر الصحيح، بمنهج الإسلام الوسطيّ القويم.
نحن، أيها السّادة والسّيدات، نؤمن بأنّ الدّين، حين يُفهم بعمق، ويُمارس بصدق، يصبح جسرًا، لا جدارًا. جسرًا تبلغ به الأمّة غايتها، وتحقّق أهدافها في النهوض المأمول، والإقلاع الحضاريّ المنشود. وهذا ما نسعى إليه، في جامع الجزائر، من خلال مؤسّساته وهيئاته، التي تجمع في رسالتها بين الأصالة والمعاصرة؛ وتشكّل، في مجموعها، منظومة معرفية وروحية حاضنة لمنهج الاعتدال والوسطية، راعيةً للمرجعية الدّينية الوطنية.
أيها الحضور الكريم،
لقد تغيّر العالم من حولنا، خلال السنوات الماضية، وتغيّرت معه أنماط الحياة؛ وازدادت تحدّيات المعرفة، وتحدّيات الهوّية والانتماء. ولم يعد مقبولاً أن يُقارب الفكر الإسلاميّ بمنطق الدّفاع الدّائم، أو بردود الأفعال الظرفية؛ بل المطلوب اليوم هو فكر واثق، هادئ، متجذّر، قادر على الحوار؛ فكر يُدرك أنّ حماية المرجعية والخصوصية لا تكون بالانغلاق، وإنّما بالعلم النافع، والقدرة على تقديم البديل المعرفيّ المقنع، وبالانفتاح الراشد المنضبط.
إنّ الجزائر، بتاريخها، وبتجربتها، وبمرجعيتها الجامعة، أحوج ما تكون اليوم إلى مؤسّسات علمية قويّة، تُسهم بتحصين الوعي، ومواجهة التطرّف والغلوّ، وآفات الزيغ والانحراف؛ وفي إرساخ منهج التوازن والاعتدال.
والوسطية، كما نرى، ليست موقفًا وسطًا بين طرفين، بل موقفًا أخلاقيًا وعلميًا متكاملاً.
ومن هذا المقام، اسمحوا لي، أيها السّادة والسّيدات، أن أتوجّه بالنداء إلى الباحثين، والأساتذة الموقّرين، وإلى طلبة العلم: أدعوهم إلى أن يجعلوا من هذا المركز وأمثاله مختبرات أفكار حيّة، لا تكتفي بوصف الأزمات، بل تقترحُ المخارج والحلول للمشكلات؛ ولا تُساير اللحظة، بل تستشرف المستقبل؛ ولا تنعزل عن مؤسّسات الدّولة، بل تتكامل معها في خدمة المصلحة العامّة، وفي العمل لترقية حياة الأمّة، الروحية والماديّة.
هذا، ويطيب لي في الختام، أن أشكر وأُنوّه، مرّة أخرى، بكلّ من أسهم في تأسيس هذا المركز، ودعم عمارته، وخدمة رسالته، وفي حمل أمانته العلمية، خلال الفترة الماضية، راجيًا من الله، جلّت قدرته، أن يبارك الجهود، ويسدّد الخطى، ويجعل ما قدّمَ العاملون المخلصون في صحائف أعمالهم وميزان حسناتهم، وأن يوفّقنا جميعا لما فيه إعلاءُ كلمة الدّين، وإعزاز الوطن، وخدمة العلم الشريف.
والله يقول الحقّ وهو يهدي السّبيل. إنّه وليّ الإعانة والتوفيق.
والحمد لله ربّ العاملين.


