Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في احتفاليّة إحياء ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان

كلمة عميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني،
في احتفاليّة إحياء ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان،
من تنظيم المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والموسومة بـ:
 “حقوق الإنسان ركيزة كرامتنا في الحياة اليوميّة”.
يوم الثلاثاء 18 جمادى الثانية 1447هـ، الموافق 09 ديسمبر 2025م.
فندق الأوراسي – الجزائر

الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتّقين، ولا عدوان إلّا على الظالمين. والصلاة والسلام على من المبعوث رحمة للعالمين، سيّدنا ونبيّنا محمّد،  أرسله الله بالهدى ودين الحق؛ فعلّم الناس من جهالة، وهداهم من ضلالة؛ وأخرجهم من الظلمات إلى النّور، بإذن ربّه، وهداهم إلى صراط مستقيم.

صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

السيّد رئيس المجلس الوطنيّ لحقوق الإنسان المحترم؛

السيّدات والسّادة أعضاء المجلس المحترمين؛

السّادة النّواب في البرلمان المحترمين؛

أصحاب السعادة السّفراء؛

أسرة الإعلام؛

 أيّها الحضور الكريم؛ كلّ باسمه ومقامه؛

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛

فيشرّفني أن أشارككم اليوم احتفاليّة إحياء اليوم العالميّ لحقوق الإنسان، الّتي ينظّمها المجلس الوطنيّ لحقوق الإنسان، تحت شعار ذي دلالة عميقة:

“حقوق الإنسان ركيزة كرامتنا في الحياة اليومية”.

إنّ هذا الشعار في ظاهره يعكس بُعدا قانونيّا ومؤسّساتيا؛ إلّا أنّه يحمل في جوهره رسالة وجوديّة، تقول: إنّ الإنسان لا يحيا بالهواء والطعام وحدهما، وإنّما يحيا بكرامة تحفظ وجهه، وحرّيّة تصون إرادته، وأمانٍ يستقرّ به قلبه، وعدلٍ يجد فيه ملاذًا من كلّ ظلم وعدوان.

 

حضرات السّادة والسيّدات؛

لقد كان من نتائج التّقارب الحسّيّ والمادّيّ، بين أرجاء المعمورة، بسبب سرعة الاتّصال  ووفرة وسائل التّواصل، أن أدرك النّاس أنّ العالم لابدّ له من أن تتقارب شعوبه وتتعايش، بروح التسامح والتّعاون؛ وهذا لا يتحقّق على وجهه السّليم، إلّا إذا راعى كلّ فرد حقوق غيره، كما يراعي حقوق نفسه. ولقد زاد إحساس الشّعوب بهذه الحقيقة، عقب حرب عالميّة أذاقت الدّنيا ما أذاقت، من الويلات والنّكبات؛ فكانت وثيقة “حقوق الإنسان” الّتي صدّروها بالقول: “إنّ النّاس يولدون أحرارًا متساوين في الكرامة والحقوق؛ ويحبّ بعضهم بعضا بروح الأخوّة، دون تفرقة بسبب السّلالة، أو اللّون أو الجنس.

ولا شكّ أنّ هذا مبدأ إنسانيّ كريم، يؤمّن الجميع، فلا يجوز الاعتداء، لسبب من الأسباب، من قويّ على ضعيف؛ بل ينبغي أن يكون الجميع إخوة في الإنسانيّة، وتلك غاية ما تتطلّع إليه البشريّة.

وقد سبق الإسلام إلى ذلك، منذ أربعة عشر قرنا. فقد جاء في الحديث عن رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: “النّاس سواسية كأسنان المشط. لا فضل لعربيّ على أعجميّ، ولا لأبيض على أسود، إلّا بالتّقوى.” وفي قول أمير المؤمنين، سيّدنا عمر بن الخطّاب،رضي الله عنه: “متى استعبدتم النّاس وقد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا؟”.

في البلاد الإسلاميّة، كغيرها من بلدان العالم، وفي منابر مختلفة، يتردّد خطاب إعلاميّ ويتجدّد، بمناسبة إحياء ذكرى صدور الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان، يوم العاشر ديسمبر،سنة ثمان وأربعين وتسعمائة وألف (1948)؛ أصدرته الأمم المتّحدة، بهذا الشأن؛ ويشيد الخطاب بهذا الإنجاز، باعتباره مكسبًا للإنسانية؛ وذلك صحيح؛ ولكنّه يتجاهل الحديث عن المبادئ السامية والقيم الإنسانية، التي دعا إليها الإسلام. والحال أنّ نصوص تراثنا الحضاريّ، منذ فجر الإسلام، تُبيّن كيف كرّم الإسلام الإنسان، مطلق الإنسان؛ وحفظ له حقوقه، بصرف النظر عن جنسه، أو لونه، أو عرقه، أو معتقده، وضمن له حرّياته الأساسيّة؛ وكان الأجدر بالمسلمين، أن يعتزّوا بانتمائهم الحضاريّ، وتراثهم الزّاخر بالقيم الإنسانية والأخلاقية. فمن الخصائص الذّاتية للحضارة الإسلاميّة أنّها ربّانيّة المصدر والغاية، إنسانيّة النّزعة والتّوجّه. هي حضارة رسالة ومسؤوليّة، تخدم دينها بخدمة الإنسانيّة.

 إنّ الحديث عن حقوق الإنسان في هذا الزمن، المتميّز بتحوّلات عالميّة متسارعة، هو حديثٌ عن الإنسان نفسه: عن هشاشته، وعن كرامته، وعن حاجته إلى منظومة تحميه من الغلوّ والعنف والتمييز العنصريّ. وإنّ هذا الاحتفال يتعدّى كونه تقليدا سنويًّا نحييه، إلى حقيقة أنّه وقفة وعي تستدعي منّا أن نسائل أنفسنا باستمرار: كيف نجعل حقوق الإنسان واقعًا يوميًّا لا شعارًا؟ وكيف نعتبر الكرامة ليست حقًّا مكتوبًا فقط، بل نجعلها حقيقة تُعاش في تفاصيل الحياة الكبرى والصغرى؟

ولعلّ من خصائص واقعنا المعاصر، أنّ العالم يعيش اختلالا في الموازين؛ ويشهد في جهات منه سقوطًا مدوّيًا للقيم التي طالما تغنّى بها: فنحن نشاهد شعوبًا تُحرم من أبسط حقوقها، وأطفالًا يُقتَلون تحت أنقاض الظلم، وأوطانًا تُدكّ، دون أن يرتجّ ضمير العالم.

فأيّ معنى لحقوق الإنسان، في ظلّ سياسة ازدواجيّة المعايير، الّتي تسلكها كثير من دول العالم؟ أيّ معنى لحقوق الإنسان إذا كان الإنسان العربيّ والمسلم، في كثير من المواطن، يواجه وحده محنته دون شريك، ودون نصير، ودون صوت ينادي بالعدل وصيانة الحقوق؟

ومع ذلك، فإنّ الأمل باقٍ ما بقي الإنسان. وإنّ واجبنا اليوم أن نؤسّس لثقافةٍ تجعل                      من حقوق الإنسان عهدًا أخلاقيًّا، قبل أن تكون التزامًا قانونيًا. هذه الثقافة، في عمق الدين الإسلاميّ، ليست طارئة، ولا دخيلة، بل هي جذورٌ راسخة تمدّها النصوص، وتغذّيها التجارب، ويعيد بعثها كلّ جيل.

لقد جعل القرآن الكريم كرامة الإنسان أصلًا في الوجود، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾؛ والتكريم في لسان القرآن ليس شرفًا معنويًّا فحسب؛ بل هو منظومة حقوق تبدأ من حقّ الحياة، وتمتدّ إلى حقّ الأمن، وحقّ الحرّيّة، وحقّ الاختيار، وحقّ التعلّم، وحقّ العدل.

بل إنّ من أعجب ما في تراثنا الفقهيّ، أنّه جعل الإنسان مصونًا في جسده، ومصونًا في ماله، ومصونًا في فكره، ومصونًا في عرضه، ومصونًا في ضميره. وهذه كلّها، في العصر الحديث،ما يُسمّى اليوم: حقوق الإنسان الأساسيّة.

 

إنّنا ننظر إلى حقوق الإنسان، بمعاييرها الأخلاقية، وبمفهومها الصحيح الشّامل؛ ونعتبرها واحدة لا تتجزّأ. وما ينبغي أن تغلب فينا المصالح على موازين الحقّ. فإنّ الحقّ أحقّ أن يُتَّبع. والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 08]. ويقول سبحانه: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. ويقول جلّ في علاه: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ. أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ. وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9].  إنّه ميزان الحقّ الّذي لا يشوبه باطل، ميزان الهدى الّذي لا يغشّيه ضلال. هذا كتابنا الّذي ينطق بالحقّ. يهدي إلى أقوم طريق، وأهدى سبيل.

الله أكبر إنّ دين محمّد          وكتابه أهدى وأقوم قيلا

لا تذكروا الكتب السّوالف عنده          طلع الصباح فأطفئ القنديلا

 

حضرات السّادة الأفاضل، حضرات السيّدات الفضليات؛

إنّ الحديث عن حقوق الإنسان في الحياة اليوميّة، يعني أن نُترجم المبادئ الكبرى إلى سلوك حضاريّ نمارسه في بيوتنا، وفي مدارسنا، وفي مؤسّساتنا، وفي أسواقنا وشوارعنا.

فكرامة الإنسان ليست شأنًا للمؤسّسات وحدها، بل هي أيضًا مسؤوليّة المجتمع، بكافّة فئاته.

يجب أن يكون في وعينا أنّ احترام الآخر، مهما يكن لونه، أو رأيه، أو طبقته؛ هو أوّل درس في حقوق الإنسان؛ وأنّ العنف اللفظيّ، والتنمّر، والإقصاء، والاحتقار، والازدراء، لا يُمكن اعتبارها كأخطاء اجتماعيّة؛ بل هي اعتداء على الكرامة الإنسانيّة.

إنّنا في الجزائر، بحمد الله، قطعنا خطوات واثقة في إرساخ دولة الحقّ والقانون؛ ونتطلّع إلى تعزيز الخطوات بجعل الكرامة حجر الأساس في السياسات العموميّة. وهذا ما نأمل أن تحقّقه، بإذن الله، الهيئات الوطنيّة، ومنها المجلس الوطنيّ لحقوق الإنسان، الّذي يُسهم في نشر ثقافة المواطنة الواعية، ويشرف على ضمان التوازن بين الحقوق والواجبات.

إنّ إرساخ حقوق الإنسان، في تقديرنا، لا يكتمل إلّا بثلاثة مرتكزات:

أوّلًا: بناء الوعي؛

إذ لا يمكن أيَّ دولة أن تُجسّد حقوق الإنسان ما لم تُنشئ وعيًا عامًّا، يجعل الكرامة حقًا بديهيًا. والوعيُ لا يُفرض، بل يُبنى بالتربية والتعليم، وبالإعلام المسؤول، وبالمؤسّسات الدينية والفكرية التي تُعيد الاعتبار إلى القيم الأصيلة.

وفي هذا السياق، يؤكّد جامع الجزائر أنّ دوره لا ينحصر في الوظائف الرّوحيّة والعلميّة والثقافيّة، بل يتجاوزها إلى الإسهام في تربية الضمير الإنسانيّ، وإرساخ القيم التي تحمي الإنسان من نفسه قبل أن تحميه من الآخر.

ثانيًا: تعزيز العدالة؛

فلا معنًى لحقوق الإنسان، دون قضاء عادل، وإدارة نزيهة، وأمن يحمي الضعيف قبل القويّ. والعدالة ليست مفهومًا قانونيًا فقط؛ إنّها روحٌ تضمن الموازنة بين الحقوق والواجبات، وتمنع استغلال النفوذ، أو تضييع الحقوق تحت ضغط المصالح.

ثالثًا: حماية الفئات الهشّة؛

من الأطفال، والنّساء، وذوي الاحتياجات الخاصّة، والمسنّين. إنّ هؤلاء هم الامتحان الحقيقي لأيّ منظومة حقوقية: فالإنسان القويّ يحمي نفسه؛ أمّا الضعيف فلا يحميه إلّا المجتمع والدّولة. ولهذا قال النبيّ، صلّى الله عليه وسلّم: “هل تُنصرون وتُرزقون إلا بضعفائكم”.

أيّها الحضور الكريم؛

إنّ حقوق الإنسان لا تُضمن بالشعارات، بل تُضمن بمنظومة قيم تعزّزها مؤسّسات قويّة، مع مواطَنة واعية. ولهذا، فإنّ الاحتفال بهذا اليوم يجب أن يكون وقفة صادقة لطرح سؤال جوهريّ: كيف نجعل كرامة الإنسان معيارًا نقيس به جودة مؤسّساتنا، وأداء إداراتنا، ووعي مجتمعنا؟

إنّ جامع الجزائر، كمؤسّسة روحيّة وفكريّة، يؤمن بأنّ الكرامة تبدأ من داخل الإنسان: من سلامه الداخليّ، ومن حرّيّة ضميره، ومن طهارة سريرته.

وإنّ إصلاح المجتمع لا يتمّ إلا بتربية الإنسان على احترام ذاته، واحترام غيره، والسموّ فوق النزاعات الصغيرة التي تُضعف النسيج الاجتماعي.

حضرات السّادة والسيّدات؛

إنّ العالم يبحث اليوم عن معنى جديد للإنسانيّة، بعد أن أثبتت الأحداث أنّ القوّة وحدها لا تكفي؛ وأنّ الهيمنة لا تُنتج استقرارًا؛ وأنّ الظّلم، مهما يطل، يولّد مقاومة.

والجزائر، بتاريخها التحرّري العظيم، وبمرجعيّتها الروحية، وبإرادة الدولة في حماية الإنسان، تستطيع أن تقدّم أنموذجًا حضاريًا يوازن بين السيادة الوطنية والكرامة الفردية؛ وبين القانون والرحمة؛ وبين الحقوق والواجبات.

وختامًا:

نسأل الله تعالى أن يجعل من هذا اللّقاء لبنة جديدة في إرساخ كرامة الإنسان؛ ويلهمنا جميعًا الرّشد والسّداد، في خدمة الأمّة والإنسانيّة جمعاء؛ وأن يبارك جهود المجلس الوطنيّ لحقوق الإنسان، وكلّ المؤسّسات التي تعمل في سبيل العدالة والكرامة والسّلم الاجتماعيّ.

والله وليّ الإعانة والتّوفيق.

والحمد لله ربّ العالمين.