
الحمد لله الذي بنعمته تتمّ الصالحات، وبفضله تتنزّل الرحمات، وبتوفيقه تتحقّق المقاصد والغايات. نحمده سبحانه على نعمه وآلائه؛ ونشكره على توفيقه وامتنانه؛ ونسأله المزيد من فضله وإحسانه. وصلّى الله وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وآله. اللّهمّ صلّ وسلّم عليه. وارضى اللّهمّ عن أصحابه وأتباعه وأنصاره، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. أمّا بعد،
أصحاب المعالي والسعادة.
أصحاب الفضيلة والسماحة
الحضور الكرام، كلّ باسمه ومقامه.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إنّه لشرف عظيم أن نقف اليوم في الذّكرى الأولى لافتتاح جامع الجزائر، الصرح الشامخ الذي بات شاهدًا حيًّا على عراقة هذا الوطن، وامتداده الروحي والحضاري، ونهوضه بتعاليم الإسلام السّمحة الوسطية.
نقف معكم على عتبة عام مضى من البذل والعطاء، حيث فتح جامع الجزائر أبوابه مشرعةً لاستقبال روّاده من المصلّين والزوّار، ومن الباحثين والعلماء؛ حاملاً رسالة سامية تجمع بين أصالة الدين، وعمق الفكر، وانفتاح الحضارة، والهداية إلى سواء السبيل.
جامع الجزائر: لحظة تاريخية ورمزية حضارية
فمنذ أن أشرقت شمس ذلك اليوم التاريخيّ، يوم الافتتاح الرسمي لجامع الجزائر من قبل السّيّد رئيس الجمهوريّة عبد المجيد تبّون؛ ترسّخت في وجدان الأمّة معاني العزّة والإباء؛ فقد كُتب لهذه الأرض الطيّبة، المحمّدية، أن تكون مهدًا لأحد أعظم معالم الإسلام في العصر الحديث؛ إذ إنّ هذا الجامع، لا يمثّل مجرّد صرح معماريّ بديع؛ وليس مجرّد بناء من الحجارة والزخارف؛ بل هو رمز لوطن جاهد لأجل دينه وهوّيته، وهو ثمرة من ثمار استقلاله واستقراره؛ ويُجسّد في رمزيّته وحضوره معاني الوحدة الوطنيّة، وهوّية الشّعب الجزائري الممتدّة في جذورها إلى إرث الإسلام العظيم.
البعد الجمالي والمعماري:
إنّ أغلبكم، لا شكّ، قد وقف أمام هندسة جامع الجزائر: فهو تحفة تتحدّث بلسان الإبداع. ومئذنته الأطول في العالم لا تعبّر عن العلوّ الماديّ، بقدر ما تعبّر عن السموّ الروحيّ والفكريّ الذي تنشده الجزائر. أمّا النقوش والزخارف فهي مرآة للهوّية الثقافية الجزائرية، ومزيج من الأصالة الإسلامية، والجماليات المحلّية.
إنّ اختيار المحمّدية لتكون موطنًا لجامع الجزائر لم يكن محض مصادفة؛ بل كان اختيارًا يحاكي الدّلالات الرّوحية والتّاريخية لهذا المكان: فهي الأرض التي بقِيت شاهدة على صمود الجزائر في وجه محاولات التّنصير والتغريب؛ وهي التي حفظت في ذرّات ترابها ذكريات أجيال قدّموا أرواحهم شهيدة وشاهدة، لتظلّ الجزائر قلعة للإسلام شامخةً أبيّة، يتمسّك شعبها بدينه ومقوّماته، منذ أن أضاء أرضه بنور هداه.
لقد شكّل افتتاح جامع الجزائر حدثًا فارقًا في مسيرة بلادنا، إذ كان تعبيرًا عن الرؤية الوطنية العميقة لتعزيز الهوّيّة الدّينية والثقافية؛ وإبراز مكانة الإسلام، كدين يدعو إلى المحبّة والتعاون والاعتدال.
جامع الجزائر: منظومة متكاملة
إنّ جامع الجزائر يتردّد فيه صوت الأذان، وترتفع فيه المآذن لتعانق السّماء؛ وهو يشكّل منظومة شاملة متكاملة، صُمّمت لتكون منارة حضاريّة وعلميّة وروحيّة وثقافيّة وسياحيّة، تؤدّي مؤسّساته رسالتها في الحفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بتوطيد الصّلة بين الماضي والحاضر، والربط بين الدّين والعلم؛ وإرساخ القيم الروحية والوطنية.
أوّل مؤسّسات الجامع: المجلس العلمي، وهو العين السّاهرة على كلّ المُنتجات العلمية والفكرية؛ وهو العقل المفكّر لهذا الصّرح الشّامخ؛ حيث يجتمع فيه نخبة من العلماء والمفكّرين من مختلف التخصّصات، لبحث قضايا الدّين والعلم والفكر؛ وهو منبر يعكس روح الاجتهاد والتّجديد من جهة؛ ويسعى لإحياء التّراث العلميّ الإسلاميّ في سياق معاصر، بخطابٍ يلامس العقول والقلوب في آن واحد.
ويعتبر الفضاء المسجديّ في قلب جامع الجزائر، ينبض كنبض القلب الحيّ، حاضنًا المصلّين من كلّ حدب وصوب؛ فهذا الفضاء، بما يحمله من هيبة المعمار، وروحانية المكان، يجمع بين جمال الشّكل، وسموّ المعنى والرسالة؛ ليكون موطنًا للتأمّل والخشوع، ومرآةً للإيمان الّذي يتجدّد في النّفوس؛ وملاذا للتّعليم الدّيني العامّ، والإقراء والتعليم القرآنيّ الخاصّ.
أمّا المدرسة الوطنية العليا للعلوم الإسلامية “دار القرآن”، ففيها تُبنى نخبة النّخبة؛ وتُعدّ العقول لتكون على قدر المسؤولية في حمل رسالة الدين الحنيف إلى العالم؛ إذ تسعى المدرسة لتقديم تعليم أكاديمي رفيع، في المستوى الدكتورالي، يمزج بين علوم الشريعة والعلوم الكونيّة، وينشئ جيلًا من العلماء قادرين على مواجهة التّحدّيات الفكرية والثقافية، الّتي تعترض الأمّة، وتعوقها عن النهوض المأمول، والإقلاع الحضاري المنشود.

ويعدّ المركز الثقافي لجامع الجزائر، الّذي نحن فيه، رابع المؤسّسات. وهو نافذةً مشرقةً لنشر الثّقافة الإسلاميّة بمختلف أبعادها الحضاريّة، حيث تُنظّم فيه الملتقيات والندوات والمحاضرات والورشات؛ تجمع بين المفكّرين والعلماء، من مختلف الثقافات، لتعزيز قيم التفاهم والعيش المشترك؛ بما يعكس الروح السّمحة للإسلام؛ مستعينا بهياكله القاعديّة المتميّزة، وبحيويّة تداخل مهامّه المتنوّعة.
وخامس المؤسّسات هي مكتبة جامع الجزائر. هي ذاكرة الأمّة، وكنزها المعرفي؛ ودعوة مفتوحة للغوص في أعماق الفكر الإسلامي، والتفتّح على معارف العالم. تُسهم في إثراء العقول، وتشجّع على البحث والدراسة؛ وتسعى لأن تحتوي بين رفوفها على مليون كتاب ومخطوط؛ يُعرض منها قريبا مائة ألف (100.000)، بمشيئة الله.
متحف الحضارة الإسلامية في الجزائر:
وفي منارة الجامع متحف الحضارة الإسلامية في الجزائر؛ يجد فيه الزائر نفسه في رحلة عبر الزمن، بين معالم الفنّ الإسلامي، وآثار الحضارة الإسلامية، في شتّى مجالات الحياة. إنّه مرآة تعكس إرث أمّة عظيمة لها إسهاماتها في بناء الحضارة الإنسانية.
ويأتي مركز البحث في العلوم الدينية وحوار الحضارات، سابع المؤسّسات، كحاضنة للبحث العلمي الجادّ، حيث تُدرَس فيه القضايا الدينية والفكرية، في أبعادها المحليّة والعالميّة، مع التركيز على بناء جسور الحوار مع الثقافات الأخرى، إيمانًا بأنّ الإسلام رسالة عالمية تخاطب الإنسانية؛ وحضارته حضارة رسالة ومسؤولية، حضارة أمّة تخدم دينها بخدمة الإنسانية.
حضرات السّادة والسيّدات.
إنّ جامع الجزائر ليس حكرًا على الجزائر؛ بل هو جسْرُ تواصل مع العالم الإسلاميّ، خاصّة الدول الإفريقية التي تشترك معنا في التاريخ والثقافة والدين. إنّ دوره في تعزيز الحوار بين الثقافات يجعله منبرًا للسّلام العالمي، وسفيرًا لحضارة الإسلام، في صورتها النقيّة من الشوائب، وبمفهومها الشامل الأصيل.
لقد أثبت جامع الجزائر، في عامه الأوّل، أنّه ليس مجرّد معلم معماريّ؛ بل هو مشروع متكامل حضاريّ، يُرسخ القيم الإسلامية، ويُسهم في بناء الإنسان والمجتمع. ومع استمرار مسيرته، نرى في أفقه وعودًا بمستقبل مشرق، يحمل فيه لواء العلم والإيمان، وينير به، بإذن الله، دروب القادم من الأجيال.
إنّ المستقبل، بمشيئة الله، لمفعم بالآمال. فنحن نطمح إلى تطوير البرامج العلمية والدينية؛ ونسعى لتعزيز دور الجامع في معالجة القضايا الأخلاقية والاجتماعية؛ ونعمل لإطلاق منصّات رقمية تبثّ العلوم، وتنشر المعارف والثقافة الإسلامية.
إنّه جامع الجزائر. ميراث أمّتنا، ومنارة هدايتنا، ومصدر فخرنا. نسأل الله تعالى أن يصلح به الحال والمآل، ويبلّغنا فيما يرضيه الآمال؛ وأن يجعله منارةً تضيء طريق الأمّة، وقِبلةً للباحثين عن المعرفة والحكمة؛ وأن يكتب الأجر الوفير لكلّ من أسهم في عمارته، وإحياء علومه، وخدمة رسالته، من قريب أو بعيد.
إنّه، سبحانه وتعالى، وليّ الإعانة والتوفيق. ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم.
والحمد لله ربّ العالمين.


