بسم الله الرحمن الرحيم
أصحاب السماحة المشايخ والعلماء، وأئمّة المساجد. ضيوف الجزائر الكرام. حضرات الأساتذة الأفاضل.
حضرات السّادة والسيّدات. أبنائي الطلبة والطالبات.
أحيّيكم بتحيّة مباركة طيّبة؛ وأهنّئ نفسي وإيّاكم؛ وأهنّئ الجزائر باستئناف تنظيم الملتقى العلميّ للمذهب المالكي. لقد كان سنّة حميدة، جزى الله من أجروْها؛ وجعلنا وإيّاهم ممّن تشملهم بشارة رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم: “من سنّ سنّة حسنة في الإسلام، كان له أجرها وأجر من عمل بها، من دون أن ينقص من أجورهم شيئا.”
وأودّ أن أتوجّه بالشّكر لوزارة الشؤون الدّينيّة والأوقاف على اختيارها الموفّق لموضوع الملتقى.
كنت أتمنّى أن أحضر فعاليّاته في اليومين الماضيين؛ وحال دون ذلك كثير من الالتزامات والواجبات.
بعد اطّلاعي على برنامج الملتقى، رأيت من المناسب أن أسهم في جلسته الختاميّة بورقة، لخّصت فيها بحثا عنوانه: “إخراج الزّكاة بين التأجيل والتّعجيل في ظلّ الظروف الطارئة والجوائح القاهرة”؛
يركّز البحث على الترغيب في تعجيل إخراج الزّكاة، في أوقات الأزمات والظروف الطارئة، لما تلحقه من أضرار، ولما تفرزه من تأثيرات سيّئة في فئات المجتمع، ولاسيما طبقات الفقراء والمعوزّين. ف الزكاة ركن ركين من أركان البناء الإسلامي، الّذي لا تحفظ الجماعة الآخذة به، إلاّ إذا أقامت البناء كاملا. فإذا سقط ركن من الأركان تداعى الباقي من البنيان؛ ويفقد المجتمع بذلك عوامل الأمن والسّلامة والأمان.
تناولت الورقة النّقاط الآتية:
أوّلا: تأجيل إخراج الزكاة، بعد حلول وقتها، لموانع ظرفية.
ثانيا: تعجيل إخراج الزكاة، لسدّ الحاجات، ومساعدة المتضرّرين من جرّاء الأزمات.
ثالثا: تعجيل إخراج الزكاة، وقت الأزمات، من المسارعة في الخيرات.
رابعا: الدّعوة إلى إعمال فقه الأولويات، وإحياء فقه المقاصد والمآلات.
أوّلًا: تأجيل إخراج الزكاة، بعد حلول وقتها، لموانع ظرفية
حضرات السّادة والسيّدات؛
لقد سجّل التاريخ القريب، والسياق المعاصر، تداعيات وانعكاسات معتبرة، لظروف طارئة، وأزمات ظهرت آثارها السّيّئة في القطاعات المختلفة؛ ولاسيما التجارية والمؤسّسات الماليّة، وما نجم عن ذلك من ركود، بسبب تعطيل الأعمال، وتسريح العمّال؛ وظهر من جرّاء ذلك تدنٍّ ملموس في الأداء الاقتصادي. وقد يفتقد القدرةَ على إخراج الزكاة وقت أدائها، أفراد وشركات، ومؤسّسات مالية مختلفة؛ بسبب الانتقال من الأوضاع العادية إلى الأوضاع الاستثنائية، وما تتضمّنه من قيود على حركة الأموال والتصرّف فيها. وقد يترتّب على ذلك شحّ السيولة؛ فيتعذّر على من وجبت عليه الزكاة تأمين مبلغها، لأسبابخارجة عن إرادته.
إنّ مثل هذا المانع الظرفيّ هو الّذي اعتبرناه في جواز تأجيل إخراج الزكاة لمن وجبت عليه، إلى حين توافر مبلغها لديه. فإن كان لديه نصيب من مبلغها بادر إلى إخراجه، ثم يخرج المبلغ المتبقّي، ولو على دفعات، حين يتوافر لديه؛ حتى يخرج كامل المبلغ المترتّب عليه؛ وهو ما كنّا نجيب به بعض السّائلين؛ على أن يكون السبب وجود مانع يحول دون تأمين مبلغ الزكاة، كتقييد حركة سحب الأموال، على سبيل المثال؛ وذلك في أوضاع استثنائية، كالّتي عاشها المسلمون في الماضي القريب. وقد أفتى بالجواز بعض الفقهاء؛ وهو قول عند الحنفية، الّذين يرون وجوب الزكاة على التراخي، لا على الفور. والمستند في ذلك كلّه إلى القواعد الّتي تعدّ أصلا من أصول التّشريع؛ مثل قاعدة: “رفع الحرج “قال الإمام الشاطبي: ” إنّ الأدلّة على رفع الحرج في هذه الأمّة بلغت مبلغ القطع “؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾[الحجّ: 78]. وما جاء من آيات تدلّ على هذا المعنى؛ كقوله سبحانه: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾[البقرة: 185].
ثانيًا: تعجيل إخراج الزكاة، لسدّ الحاجات، ومساعدة المتضرّرين من جرّاء الأزمات.
يعاني النّاس سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية، من جرّاء الظواهر الصحّيّة والحروب والصراعات، وما أفرزته من تأثيرات سّيئة، تضرّر منها خلق كثير، وأصابهم منها كساد عظيم؛ ولاسيما الّذين يعملون في قطاعات لا يجدون فيها دخلا قارًّا في الغالب؛ وكذلك العمّال المياومون، وأصحاب الأعمال المؤقّتة، وذوو الحرف والمهن المختلفة؛ ممّا دعا إلى استصدار فتوى تجيز تعجيل إخراج زكاة المال، لفائدة الفئات المتضرّرة، في مثل هذه الظروف.
لقد سبق لنا أن أبدينا رأينا بجواز تعجيل إخراج الزكاة، في أوقات الأزمات، لما تلحقه من أضرار، ولما تفرزه من تأثيرات سيّئة في فئات المجتمع؛ ولاسيما طبقات الفقراء والمعوزين؛ وهو القول الراجح عند أهل العلم، الّذين أفتوا به، في بلدان إسلامية مختلفة، عملا بقاعدة “مراعاة الخلاف”؛ وإعمالا لفقه المقاصد والمآلات.
فالرأي الرّاجح في هذه المسألة أنّه يجوز تعجيل إخراج زكاة المال، لما ثبت عن النبيّ ﷺ، أنّه أخذ من العبّاس صدقة سنتين؛ ولما في الصحيحين من قوله ﷺ: ” أمّا العبّاس فهي عليّ ومثلها “، يعني أنّه أخذ منه زكاة سنتين مقدّما؛ ولما روى أبو داود من أنّ النبيّ ﷺ تسلّف من العباس صدقة عامين. كما ورد في الصحيحين، أنّ العباس تأخّر في أداء الزكاة، كما زعم البعض؛ فكان التبرير له أنّه أخرجها لمدّة عامين؛ ولذلك لا تؤخذ منه زكاة عامين. ولو لم تصحّ الزكاة تعجيلا، لأوجبها النبيّ ﷺ على عمّه العباس، رضي الله عنه.
والأصل في إخراج الزكاة دوران الحول مع بلوغ النصاب؛ غير أنه يجوز تعجيل إخراجها، إن كان في ذلك مصلحة شرعية، كما هي الحال. فإذا عرضت حاجة تقتضي تعجيل الزكاة، جاز تعجيلها؛ وذلك بإخراجها قبل أن يحول عليها الحول، شرط ملك النصاب يوم التّعجيل. وهذا ما أجازه جمهور الفقهاء، خلافا للمالكية الّذين لا يجيزون التعجيل، إلاّ بزمن يسير.
وفي أمر تعجيل العبادات، اتّفق الفقهاء على جملة من الأحكام؛ وهي: أنّ العبادات المحدّدة بوقت معيّن، ويعتبر الوقت أحد أسباب الوجوب فيها، مثل الصلاة والصيام، لا يصحّ أداؤها قبل وقتها. ففي فريضة الصلاة، يقول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ۖ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: 78]. فمن أدّى الصلاة قبل وقتها، بطل فيها أداء الفرض، ووجب أداؤها في وقتها. وفي فريضة الصيام، قال الله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185]. فعُلم أنّ من صام قبل رمضان، لم يسقط عنه صيامه؛ بل يجب عليه صيامه في وقته. وهذا محلّ اتّفاق بين الفقهاء.
أمّا العبادات الّتي ليس الوقت سببا في وجوبها، ولو كان شرطا فيها، مثل الزكاة، أو كانت مطلقة الوقت، مثل الكفّارات، ككفّارة اليمين، وكفارة الظهار وغيرهما، فإنّ الفقهاء مختلفون في جواز تعجيل أدائها، قبل وقت وجوبها.
وهكذا، يجوز تعجيل إخراج زكاة المال، عند جمهور الفقهاء؛ خلافا للمالكية، الّذين لا يجوّزون التعجيل، إلاّ بزمن يسير. ويجوز تعجيل إخراج زكاة الفطر، عند الحنفية والشافعية؛ ولا يجوز عند المالكية والحنابلة، إلاّ بيوم أو يومين. كما يجوّزون تعجيل الكفّارة قبل الحلّ، عند جمهور الفقهاء. واشترط الشافعية أن يكون لغير الصيام؛ ولا يجوز التقديم على الحنث، عند الحنفية. كما اتّفقوا على عدم جواز تعجيل الزكاة، إذا لم تبلغ النصاب، الذي هو أحد شروطها.
ثالثًا: تعجيل إخراج الزكاة، وقت الأزمات، من المسارعة في الخيرات
في تقديرنا: أنّ تعجيل إخراج الزكاة، قبل حلول وقتها، يدخل في عموم المسارعة في الخيرات. فحين جاء الثناء، في القرآن الكريم، على المتّقين الذين يسارعون إلى مغفرة من ربّهم، كان أوّل وصف لهم هو الإسراع في إنفاق المال على المحتاجين؛ ويدخل فيه تعجيل إخراج الزكاة، في حال الضّرّاء. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ. الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 133 – 134].
بل جاء الحثّ على فعل الخيرات، والتّسابق في ميدانها، بصيغة الأمر الّذي يدلّ في عمومه وأصله على الاستحباب؛ كما قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 148]. وقوله جلّ وعلا: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾[المائدة: 48].
كما أنه يدخل في عموم حثّ النبيّ ﷺ أمّته على المسارعة في الخيرات. ففي حديث الترمذي والنسائي، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، أنّ رسول الله ﷺ، قال: [بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون إلاّ فقرا مُنسيا، أو غنًى مُطغيا، أو مَرضا مُفسدا، أو هرما مُفندا، أو موتا مُجهزا، أو الدجّال، فشرّ غائب يُنتَظَر، أو السّاعة، والسّاعة أدهى وأمرّ ].
فالمسلمون يتنافسون في سبل الخيرات، في حال السّراء؛ ولا شكّ أنّ فعلهم الخيرات في الشدائد والبلايا وفي حال الضّرّاء، هو أولى وأجدى؛ سواء بأداء الزكاة وتعجيل إخراجها، أو التصدّق على المحتاجين والمتضرّرين؛ وذلك ممّا يظهر قوّة المجتمع المسلم، ويحقّق التكافل والتضامن بين المسلمين؛ وهو من مقاصد الشريعة الإسلامية. ومن يتتبّع الأحكام الفقهية التي تنظّم علاقة المسلمين فيما بينهم، يدرك أنّ التكافل الاجتماعي من أهمّ هذه المقاصد؛ ولا شكّ أنّه يحصل بتعجيل إخراج الزكاة الواجبة؛ في مثل تلك الظروف الاستثنائية. وذلك ما يتميّز به الفقه الإسلامي، الّذي يراعي واقع الجوائح والظروف الطارئة، ويلبّي الحاجات الناتجة عنها؛ ممّا يعبّر عن عظمة التشريع الإسلاميّ، وما يتضمّنه من سديد الآراء والاجتهادات، الّتي تقدّم الحلول الميسورة للتكفّل بما تفرضه الوقائع من حاجات.
لقد تسبّبت الظروف الاستثنائية الصحية وغيرها الّتي ألمّت ببلدان العالم في خسائر جسيمة، بسبب تعطيل كثير من الأعمال، وتقييد حركة التنقل استجابة لأوامر الجهات المختصّة؛ ممّا أوقع كثيرا من الأسر والمؤسّسات في حالة الحاجة. والمجتمع المسلم، في هذه الحال، يتعيّن عليه وجوبا كفائيًّا أن يقوم بحاجات الفقراء والمعوزين. ولذلك جاء ركن الزكاة فريضة شرعية، وضرورة اجتماعية. فإذا أضيف إلى ذلك أنّ في المال حقّا سوى الزكاة، كما قرّره بعض الفقهاء، ليسدّ ما تبقّى من حاجات عامّة وخاصّة، بضوابط معروفة، تبيّنت لنا عظمة الشريعة الإسلامية وعدالتها، إذا ما قيست بقوانين وضعية؛ وما كان للشريعة أن تقارن بها. ومن ثمّ، ينبغي أن تتّجه الدّعوة إلى من بلغ لديهم نصاب الزكاة، ووسّع الله في أرزاقهم، أن يتحسّسوا حاجات إخوانهم، أفراد وأُسرا ومؤسّسات؛ وأن يقوموا بواجبهم الرّسالي، ولا سيما في الأوقات العصيبة والظروف الصعبة.
أمّا من لم يبلغ مالهم النصاب، فإنّ عليهم أن يكونوا عونا لإخوانهم، وأن يتصدّقوا بما يقدرون عليه، سدًّا لحاجات المجتمع، وطلبا للمثوبة من الله. قال تعالى: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 261]. وقال عزّ وجلّ: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد:10]
رابعًا: الدّعوة إلى إعمال فقه الأولويات، وإحياء فقه المقاصد والمآلات.
لقد أظهرت الأوضاع الاستثنائية والظروف الطارئة التي عاشتها بعض البلدان الإسلامية أنّ هناك قضايا كثيرة، احتاجت إلى استصدار فتاوى في مسائل مختلفة، وعلى رأسها تعجيل إخراج الزكاة، أو تأخير أدائها؛ إلى غير ذلك من النوازل والمستجدّات. ورأينا اختلافا في الآراء، بشأن هذه الفتاوى، بين القبول والاعتراض؛ مع العلم أنّها مؤصّلة، وأصدرها فقهاء مشهود لهم بالعلم والورع.
وهذا ما يدعونا للتّذكير بالحاجة الملحّة إلى تجديد فقه الأمّة، بتفعيل حركة الاجتهاد، وتعزيز دور المجامع الفقهية. فالفتوى، كما هو مقرّر، تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان. ولعلّ اجتهادات الفقهاء والفتاوى الّتي صدرت عن المجامع الفقهية، قبل عشرين أو ثلاثين سنة، تحتاج اليوم إلى مراجعة، وإعادة نظر، في ضوء الوقائع والمستجدّات.
إنّ الاجتهاد هو بمثابة الروح للشريعة الإسلامية، ومنبع الحياة لفقهها. ولا يعقل أبدا أن تؤدّي الشريعة وظيفتها، وأن يكون لها فقه حيّ ينظّم مصالح البشر باستمرار، دون الاجتهاد. ومن هنا، تبرز أهمّيته وأثره في تجديد حياة الأمّة الإسلامية، وفعاليته في النهوض بالمجتمعات الإسلامية.
ونحن اليوم أحوج ما نكون إلى إعمال فقه الأولويات، وإحياء فقه المقاصد والمآلات؛ بما يبرز عظمة الإسلام، وسماحة تشريعاته، في كافّة المجالات؛ باعتباره دينا لكلّ عصر ومصر؛ وشريعته ربّانية خالدة إلى يوم الدين؛ وسرّ بقائها واستمرارها وصلاحها لكلّ زمان ومكان، يكمن في مرونتها وحيويّتها، وتفاعلها ومواكبتها للتغيّرات، ومراعاتها لتطوّرات الحياة.
هذا، والله نسأل أن يشمل المسلمين بلطفه، ويصرفَ الشرّ والضرّ عن عباده أجمعين؛ وأن يمنّ علينا بدوام التّوفيق والسّداد، ويسلك بنا سبيل الهداية والرشاد. إنّه وليّ ذلك والقادر عليه.


