وجّه عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، “نداءً وطنياً وأخلاقيّاً” دعا فيه إلى ترشيد الخطاب، ومواجهة الكراهية بالتفهّم والوعي، بدلاً من مقابلتها بالمثل، مؤكّدا أنّ جامع الجزائر لا ينعزل عن قضايا الأمّة، ولا يغفل عن أدواره الوظيفية ورسالته الحضارية.
جاء ذلك في كلمته الافتتاحيّة لحلقة نقاش موسومة بــ: “خطاب الكراهية: قراءة في الأسباب والمظاهر، وسبل التّجاوز”، نظّمها المجلس العلميّ للجامع، بالمدرسة الوطنيّة العليا للعلوم الإسلاميّة (دار القرآن)، اليوم الثلاثاء 28 ذي الحجة 1446هـ، الموافق لـ 24 جوان 2025م، بمناسبة اليوم العالميّ لمكافحة خطاب الكراهيّة، المصادف لـ: 18 يونيو من كلّ عام.
وطرح السّيّد العميد سبعة (07) أفكار رئيسيّة، من شأنها فهم أسباب هذه الآفة المسمّاة: “خطاب الكراهية”، ومظاهرها، وسبل مواجهتها:
أوّلا: ما هو خطاب الكراهية؟
“إنّ خطاب الكراهية ليس مجرّد تعبير عن رأي، بل هو نمط لغويّ، يتعمّد إقصاء الآخر، أو التحريض عليه، بسبب دينه، أو لغته، أو جنسه، أو لونه، أو انتمائه. وهو خطاب يتجاوز النقد المشروع إلى النقيض المذموم؛ ويتحوّل من حرّية التعبير، إلى اعتداء ناعم على الكرامة والأعراض والحقوق. وتكمن خطورته في أنّه، غالبا ما يرتدي عباءة الحرّية، وهي حرّية مغشوشة؛ بينما يتسلّل إلى النفوس، بغريزة العداء ورفض الآخر؛ ويزرع في المجتمعات بذور الانقسام والتمزيق، تحت ستار المواقف أو ذريعة القوانين”.
ثانيا: مظاهر خطاب الكراهية، من القول إلى الفعل:
“نحن نلاحظ مظاهر خطاب الكراهية، وتحوّله من القول إلى الفعل. ونعيش اليوم في عصر تتزايد فيه وسائل التواصل، وتتسارع؛ وتتباطؤ فيه محاولات التسامح ومساعي التراحم. وتتسلّل، من خلاله، أصناف الكراهية بشتّى الأشكال، من ازدراء الأديان، وسبّ الأفراد والجماعات، إلى خطاب الجهوية، وتسفيه المختلفين، والتمايز بين الفئات، واضطهاد الأقلّيات. والأخطر في هذا الواقع أنّ الفضاء الرقميّ أصبح، في كثير من الأحيان، وسيلة للكلمة المضلّلة، ومطيّة للصورة المضلّلة، ومنصّة لتعميم الكراهية، وتضخيم الصور النمطية، وترويج العنف الرمزي بلغة هزلية، ظاهرها طرفة، وباطنها تحريض وعدوان”.
ثالثا: الآثار المباشرة: تهديد الأمن الروحي والفكري، والسّلم المجتمعي:
“إنّ خطاب الكراهية لا يقتصر أذاه على الأفراد، فحسب، بل هم “سُمّ” يتسرّب إلى جسد الأمّة؛ فتضعف مناعتها المجتمعية. وكلّما انتشرت الكراهية، ضعفت الثقة، وتآكلت اللحمة الوطنية؛ وتحوّل الاختلاف إلى نزاع وخصومات، وتحوّل النقد إلى شتائم ورعونات.
إنّنا ندرك، في الجزائر، بخلفيّتنا الوطنيّة، وتجربتنا التاريخية، أنّ شرارة الكلمة قد تشعل فتنة؛ وأنّ الكراهية، إذا لم تُواجه بالعقل والحكمة، فإنّها تتحوّل إلى تعصّب مقيت، وسلوك عنيف، يهدّد السّلم المجتمعي، والأمن الروحي والفكري”.
رابعا: المرجعية الدينية، حصن فكري، ودرع ثقافي ضدّ الكراهية:
“إنّ المرجعية الدينية الوطنية هي أكبر حصون الجزائر، في فهمها الوسطي الجامع ضدّ الانجراف إلى التطرّف، أو العداء. فديننا الحنيف يربّي النفوس على الصفح والعفو والإحسان؛ ويربط بين حسن الخلق والإيمان؛ ويجعل الكلمة أمانة، وأعظم بها أمانة. ونحن، في بلادنا، نعوّل على الأئمّة والمرشدين والدّعاة في نشر خطاب أصيل، يقرّب ويحبّب، ولا يباعد أو يبغّض. خطاب يقيم جسور الودّ والمحبّة، يردّ على الكراهية والغلوّ، بوعي راشد، وسلوك راق، وفهم عميق.
وفي هذا السياق، يتجلّى دور جامع الجزائر، وخطابه المستنير، كمنارة علم، ومنبر للوسطية والاعتدال، ومنهج لنشر الإسلام، بسماحة دعوته، ويسر شريعته”.
خامسا: الجزائر ومقاربتها في مكافحة الكراهية:
“وهنا نشير إلى مقاربة الدولة الجزائرية، في مكافحة الكراهية؛ حيث عبّرت الجزائر عن وعيها المبكّر بخطورة هذه الظاهرة الكريهة، من خلال سنّ القانون، رقم 20-05، الّذي يجرّم التمييز والتحريض اللفظي، أو الرقمي، وإحداث المرصد الوطني للوقاية من خطاب الكراهية، ليكون آلية يقظة، ثقافية وقانونية. ولم تكتف الدولة بالمقاربة الزجرية؛ بل هي تدعو إلى تكوين روحي وتربوي وإعلامي، يحصّن المجتمع من هذه الآفات ، ويقيه شرّ الانزلاقات. وتلكم مسؤولية وطنية لا تنجح فيها القوانين وحدها؛ بل تكتمل وتبلغ غايتها، عندما تصبح ثقافة مجتمع ورسالة أمّة”.
سادسا: من المقاومة إلى الوقاية. ما العمل؟
“إنّ ممّا لا ريب فيه أنّ مكافحة خطاب الكراهية ليست عملية أمنية فحسب؛ بل هي مشروع وطنيّ، تربوي وثقافي؛ يحتاج إلى شراكة متكاملة بين المدرسة والمسجد، والجامعة والإعلام؛ فضلا عن مؤسّسة الأسرة. يجب أن نعلّم أبناءنا كيف يختلفون، فلا يتخاصمون؛ وكيف يعبّرون، فلا يجرحون أو يعتدون. ينبغي أن نعمل لترقية الحسّ النقدي، وتعليم أخلاق الاختلاف، مع التزام أدب الاختلاف، وغرس الوعي في المجتمع، والتذكير بأنّ الكلمة مسؤولية، وأمانتها ثقيلة في ميزان الخالق سبحانه؛ وأنّها قد تسهم في بناء وطن، كما يمكنها أن تكون سببا في هدمه، لا سمح الله”.
سابعا: نداء من جامع الجزائر:
“وفي الختام، يطيب لنا أن نوجّه النداء، من جامع الجزائر، هذا المعلم الحضاري، الّذي يضمّ روح الأمّة، ويمثّل حصن مرجعيتها الدينية الجامعة، نرفع منه نداء وطنيا وأخلاقيا:
ألا فلنرشّد، ولنسدّد. دعونا لا نردّ الكراهية بكراهية مثلها. بل نواجه خطابها بتفهّم، ونعالجه بوعي، ونبدّله بالّتي هي أحسن.
إنّ من أعظم الجهاد في هذا الزمان، حراسة الكلمة من الانجراف والسقوط، وصيانة الضمير من الغضب، والقلم واللسان من الزلل. ولنعمل، دون هوادة، لتثبيت المجتمع على قيم الرحمة والعدل والإحسان. ولنجعل من كلّ منبر في مساجدنا، وكلّ حلقة علم في جوامعنا رافعة للتآلف، وجسرا للحوار، وسترة للقلوب والنفوس من الفرقة والتنازع، ورصّ الصفوف”.
وألقى الأستاذ موسى إسماعيل، رئيس المجلس العلميّ، من جهته، كلمة حذّر فيها من مخاطر انتشار خطاب الكراهيّة في الدّاخل والخارج، فيما تمحور النقاش حول خمس مداخلات علميّة غطّت الموضوع من مختلف جوانبه.
واستهل الأستاذ محمد بن عزوزي الجلسة بتحديد “الإطار المفاهيمي لخطاب الكراهيّة”؛ تبعته الأستاذة سعاد آمنة بوعناني التي حلّلت “أسباب خطاب الكراهيّة ومفاسده”. ثم تناول الأستاذ عبد المجيد خلادي دور “الخطاب الدّينيّ في مواجهة خطاب الكراهية”. ومن منظور إعلاميّ، ناقش الدّكتور مراد بوشحيط إشكاليّة “خطاب الكراهية في مواقع التواصل الاجتماعيّ وأثره في السلم المجتمعي”. واختتمت المداخلات مع الأستاذ منير قتال، الذي استعرض الإطار القانونيّ في محاضرة بعنوان: “تجريم خطاب الكراهيّة في التّشريع الجزائريّ والقانون الدوليّ”.
وأعقبت المداخلات مناقشة شارك فيها الأساتذة المشايخ: الدّكتور محمّد العيد التجاني (شيخ زاوية تماسين)، والأستاذ يونس قرار (أستاذ العلوم والتكنولوجيا)، والأستاذ رشيد بوسعادة (أستاذ علم الاجتماع)، والأستاذة عقيلة حسين (أستاذة العلوم الإسلامية)، والأستاذ مصطفى ونتن (الأستاذ بجامعة غرداية). واختتمت بتوزيع الشّهادات التقديريّة على المشاركين.









































