دعا الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، عميد جامع الجزائر، مساء السبت 25 ذي الحجّة 1446هـ، الموافق 21 جوان 2025م، إلى تشكيل ائتلاف عالميّ للتعارف، تكون فيه المرجعيّات الدينيّة شريكة وفاعلة؛ “ننشر من خلاله قيم التّسامح وإشاعة السّلام، وفقًا لمبادئ الإسلام، المستمدّة من الكتاب والسنّة؛ سالكين سبيل الهداية والتيسير..”.
وفي كلمته، خلال الجلسة الافتتاحية، للمؤتمر الدوليّ المنظم من قبل المجلس الإسلاميّ الأعلى، الموسوم بـ :”التعارف الإنسانيّ وأثره في إرساء العلاقات وتحقيق التعايش”، قال السّيد العميد: “إنّ جامع الجزائر يحمل مشروعا حضاريّا معاصرًا، يتجدّد فيه الخطاب الإسلاميّ بمفردات كونيّة، تعكس انفتاح الإسلام على الإنسانيّة؛ ويمثّل تجّسيدًا فعليّا للقيم القرآنيّة العميقة، وفي مقدّمتها “التّعارف الإنسانيّ”، وتعزيز ثقافة الحوار، وإرساخ فقه الاختلاف، وتشجيع التّبادل الثّقافي بين الشّعوب، بتأهيل علماء يخاطبون الآخر بلسان القرآن، وأخلاق النّبوّة، وبوعي العصر، في الآن نفسه.
وأضاف أن الجامع متفتّح على الإنسان والعالم، لا يلغي الخصوصيّة، بل يحوّلها إلى مدخل للحوار. يستقبل العلماء، والمفكّرين، والباحثين، والسّيّاح، والوفود من كلّ صعيد؛ ممّا يخلق مجالًا فعليًّا للتّعارف الحضاريّ والتّبادل الثّقافيّ..”.
وأوضح عميد جامع الجزائر بأن التّعارف قيمة إنسانيّة وحضاريّة، تسهم في بناء الثّقة، واحترام الآخر، وتمنع الاستعلاء والعنصريّة، والتّطرّف الّذي يتغذّى من الجهل بالآخر، ومن الفهوم الخاطئة لمقاصد الدّين. خطاب التّعارف موجّه إلى البشريّة جمعاء. والتّنوّع والاختلاف سنّة من سنن الخلق، ومن آيات الله الدّالّة على بديع صنعه، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ [الروم. 22]..”.
وأضاف “إنّ التّعارف مدخل حضاريّ وأخلاقيّ لبناء العلاقات الإنسانيّة؛ يؤسّس للتّعايش الّذي ينبني على الاعتراف المتبادل، والاحترام الواعي للحدود. وهو، بهذا المعنى، رؤية كونيّة تجعل التّنوّع حكمة إلهيّة، تتحقّق بها عمارة الأرض، وتحكمها سنّة الله تعالى في التّدافع، والاعتراف المتبادل، لا الانغلاق والتّعالي، ولا الاندماج القسري والذّوبان في الغير..”.
وعن انحلال الرّوابط الإنسانيّة للمجتمعات، واختلال الموازين في العلاقات الدولية بين الشعوب، وما يعيشه اليوم العالم، أكد الشيخ القاسميّ الحاجة إلى الحوار المثمر، لترميم هذه العلاقات، وتصحيح ما اختلّ من المسارات؛ مذّكرا بالمساعي التي بُذلت بهدف التّأسيس لفهم متبادل، مع باقي الأممّ والحضارات، ينتهي بنا إلى التعارف، والتعاون على الخير العامّ، بما يحقّق مصالح النوع الآدميّ”.
ونوّه بأنّ” التّعايش ليس هدنة مؤقّتة، تمليها الضّرورة؛ بل هو خيار أخلاقيّ وإنسانيّ راق، ينبع من الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانيّة، والعدل، والرّحمة، والحقّ في الاختلاف، كقيم إنسانيّة تشكّل مرجعًا مشتركًا بين الأمم. ومن ثمّ يصبح التّعايش ثقافة دائمة، وفلسفة عيش مشترك، لا تذوب فيه الهُوّية، ولا يُقبل فيه التّنازل عن الخصوصيّة”.
وقال الشّيخ القاسميّ: “لقد عملت القوى العالمية على إحياء نعرات “صِدام الحضارات” و”حُروب الثقافات”. وقد نالت البلاد الإسلاميّة والعربية حظّا وافرا من التشويه “العلميّ” للقيم الإسلاميّة؛ كما عانت شعوبها آثارَ هذه العولمة الظالمة، من إرهاب وعنف وعنصريّة، وكراهية للإسلام، والتّمييز ضدّه..”. مضيفا: “لقد سُبِقْنا إلى الاهتمام بالحوار، وعقدت بشأنه مؤتمرات علميّة دوليّة، ولكنّها فشلت كلّها، وانحسرت جهود الحوار بين الثقافات والحضارات؛ لأنّها تجري في ظلّ ازدواجية المعايير، والكيل بمكيالين؛ فهي سياسة تنتهجها دول عظمى”. ترى في الحوار مسارًا لنشر أفكارها، وفرض رؤيتها، وبسط هيمنتها، في قالب حوار باتّجاه واحد، ليس للغير فيه من وجود، إلًا استهلاك ما يقدّمه له الآخر”.
وأوضح السّيد العميد أنّ الابتعاد عن المرجعيّات الدينيّة والقيميّة الّتي بنت تلك الحضارات العريقة هو ما أذكى الخلافات والصّراعات؛ وأجّج نار العنف والتّطرّف؛ حيث تراجعت الثّقة المتبادلة، وانعدمت معرفة الشّعوب ببعضها؛ فتخلّفت عوامل الحوار، وانحسرت قيم التعايش والتّلاقح والتّفاعل؛ وظهرت على السّطح عوامل الفرقة والخلاف ونكران الآخر، في قيمه وخصائصه الذّاتيّة؛ فأصبحت الهيمنة يوميّة الطّغاة، والانغلاق يوميّة المتعالين”.
وأشار، في هذا السياق، إلى أنّ أخطر المعوّقات ما كان ناعما: الانقسام الجغرافي في النظرة إلى الانسان؛ حيث يُقيَّم المرء ويُعامل بحسَب خارطته، لا إنسانيته؛ فيُمنح حقّه إذا انتمى أو اندمج؛ ويجرّد منه ويسلب، إن غاب عن الهُوّية المقرّرة له”.















