أكّد عميد جامع الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ، اليوم الأربعاء 12 جمادى الآخرة 1447هـ، الموافق 03 ديسمبر 2025م، في شهادته عن شخصيّة المجاهد والطّبيب، الدّكتور السّعيد شيبان، أنّه رجلٌ صدقت في سيرته معاني ” طلب العلم من المهد إلى اللّحد “؛ كما قرأنا لبعض العلماء الربّانيّين، وهو يستعدّ للقاء ربّه، حين سأل صاحبًا له جاء يعوده عن مسألة طلب رأيه فيها. وعندما أبدى استغرابه، قال له: إنّه يحبّ أن لا ينقضي يوم من عمره، دون أن ينظر في مسألة من مسائل العلم، وهكذا كان الأستاذ شيبان: العالم العامل، والمفكّر، والباحث المدقّق. ومن النّادر أن تجتمع في شخصيّة واحدةٍ خصال الطّبيب المداوي للأبدان، والدّاعية المعالج للأرواح، والمسؤول الّذي لم تشغله أعباء الوزارة عن مجالس العلم”.
جاء ذلك، خلال إشراف الشيخ القاسميّ على “#منتدى_الذّاكرة“، بمقرّ جريدة المجاهد، تكريمًا لروح الفقيد في مئويّة ميلاده؛ وهو المنتدى الّذي نظّمته جمعيّة “#مشعل_الشّهيد“، بحضور المدير العام للجريدة السيّد إبراهيم تخروبت، ورئيس الجمعيّة السيّد محمّد عبّاد. كما حضر اللّقاء نوّابٌ من البرلمان، ونخبةٌ من المجاهدين، ورفقاء الدّرب، وأفراد عائلة الفقيد، وجمعٌ من الأساتذة والإعلاميّين.
وأفاد الشّيخ القاسميّ، الّذي جمعته بالدّكتور شيبان علاقة أخوّةٍ وعملٍ، امتدّت منذ ستّينيّات القرن الماضي، وتوثّقت في وزارة التّعليم الأصليّ والشّؤون الدّينيّة، في مطلع السبعينيات، أنّه: -رحمه الله-: “لم يكن يكتفي بما حصّله من علوم الطّبّ، والفكر الإسلامي، والمعارف والثقافة الإسلاميّة؛ بل كان نهمًا للازدياد من العلم ، يقرأ الكتاب، قراءة الباحث النّاقد؛ وكان سبّاقًا للتّعريف بالكتب الّتي تخدم الإسلام وحضارته، ككتاب الطّبيب “موريس بوكاي” في الإعجاز العلميّ؛ وكان شيبان أوّل منأ أرشد إلى أهمّيته، بحسّه الإيمانيّ والعلميّ”.
وعن إنجازاته على رأس وزارة الشؤون الدّينيّة، في الثمانينيات، يضيف الشّيخ القاسميّ، لم يكن السّعيد شيبان وزيرًا مسيّرًا فحسب؛ بل كان صاحب رؤيةٍ استشرافيّة؛ ومنها مشروعه الرّائد “مؤسّسة المسجد” الّذي صغنا نصوصه التنظيميّة، في نهاية الثمانينيّات من القرن الماضي، ولم يكن مجرّد هيكلةٍ إداريّة، بل كان إحياء لدور المسجد الحضاريّ والاجتماعيّ؛ فكانت مجالسها الأربعة: المجلس العلميّ، ومجلس إقرأ لتعليم القرآن، ومجلس سبل الخيرات، ومجلس البناء والتجهيز، ثمرة فكره الثّاقب، ليؤدّي المسجد وظائفه، بكفاءة وفاعلية، ويكون مؤثّرًا في محيطه، وفاعلًا في مجتمعه.
وأضاف أنّ محاربة الآفات الاجتماعيّة، بالنّسبة إليه، لا تقلّ أهمّيّةً عن علاج الأمراض العضويّة؛ وأنّ الطّبيب لا ينفصل عن المصلح الاجتماعيّ؛ مستشهدًا بتأثّر الرّاحل ببعض التّجارب العالميّة في علاج الإدمان داخل المساجد، وسعيه لتكييفها مع الواقع الجزائريّ، إيمانًا منه بأنّ: “من أحيا نفسًا فكأنّما أحيا النّاس جميعًا”.
وعن إنسانيّة المحتفى به وتواضعه، يضيف عميد #جامع_الجزائر: تظهر تجلّياتها في مصلحة أمراض العيون بمستشفى مصطفى باشا الجامعيّ الّتي كانت ملاذًا للمرضى الفقراء كلّ أربعاء؛ ولم يكن بردّ أحدا قصده. مستذكرًا موقفًا شخصيًّا، حين عالج الفقيد عينيه في منتصف السّبعينيّات، بـ “يدٍ متوضّئة” جمعت بين الدّقّة الجراحيّة واللّمسة الإيمانيّة؛ فكانت تلك الفضائل جوهر فهمه للطّبّ كرسالة رحمة؛ فأحبّه المرضى؛ وبقي اسمه مقرونًا بالخير والعطاء، حتّى وصفه بأنّه: ” كان يعالج الأبدان بالدّواء الحسّيّ، ويعالج القلوب بالدّواء الرّوحيّ”.
وخلص الشّيخ القاسميّ إلى القول: “إنّ ممّا استخلصناه من مسيرة أخينا الحبيب السّعيد شيبان، رحمه الله:
أوّلًا: أنّ المسؤولية تكليفٌ شرعيٌّ ووطنيّ، تتطلّب الجمع بين الكفاءة العلميّة والنّزاهة الأخلاقيّة.
ثانيًا: أنّ المسجد هو القلب النّابض للمجتمع، ولا يمكن عزله عن قضايا النّاس وهمومهم.
ثالثًا: أنّ العلم والجهاد صنوان لا يفترقان؛ فقد جمع الله له بين جهاد التّحرير وجهاد البناء والتعمير”.
وختم السيّد العميد كلمته قائلًا: “من خلال سيرة السّعيد شيبان،
نفهم كيف يكون المثقّف طبيبًا للقلوب والعقول، وكيف يظلّ المسؤول وفيًّا لمبادئه، متواضعًا في عليائه، خادمًا لدينه ووطنه حتّى آخر رمق من حياته؛
ليكون بحقٍّ نموذجًا للأجيال في التوفيق، بين العلم والإيمان، وبين الأصالة والمعاصرة، وربط العلم بالعمل، والحاضر الواعد بالماضي المجيد”.






