الخطبة الأولى
الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالمينَ، الرَّحمَنِ الرَّحيمِ، مَلِكِ يَومِ الدِّينِ، أَحمَدُهُ سبحَانَهُ وتَعَالَى على نعمَةِ الإسْلَامِ، وأَشْكُرُهُ وأُثْنِي عليهِ أن جَعَلَنَا من أُمَّةِ محَمَّدٍ عليهِ الصّأ.د/ عماد بن عامر
َلَاةُ والسَّلَامُ، وأَشهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلَّا اللّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وأَشْهَدُ أَنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وصَفِيُّهُ من خَلْقِهِ وخَلِيلُهُ، بَعَثَهُ اللّهُ تَعَالَى للإنْسِ والجَانِّ، فَوَضَعَ عنهُمُ الأَغْلَالَ والآصَارَ وبيَّنَ لَهُمُ طَريقَ الجَنَّةِ والنَّارِ، دَعَا إلى سَبيلِ رَبِّهِ بالحِكمَةِ والموْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وبَلَّغَ الرِّسَالَةَ باللِّينِ والإحْسَانِ، صلِّ اللَّهمَّ وسَلِّمْ وبَارِكْ عليهِ وعلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وزَوْجِهِ، ومن اقْتَفَى أَثَرَهُ واستَنَّ بسُنَّتِهِ إلى يومِ يُبعَثُونَ، ألَا واتَّقُوا اللّهَ عبادَ اللّهِ، فإنَّهَا رَأْسُ الأمْرِ وملَاكُهُ، قالَ تعالَى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، أمَّا بعدُ: فإنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كتابُ اللّهِ تعالَى، وخيرَ الهَدْيِ هَدْيُ محمَّدٍ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالةٌ، أعَاذَنِيَ اللّهُ وإيَّاكُمْ منَ الضَّلَالَةِ والنَّارِ، ثم أَمَّا بعْدُ:
فَقَدْ قال اللّهُ تَعَالَى في مُحْكَمِ التِّبيَانِ، وهُوَ أَصْدَقُ القَائِلِينَ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].
إخوةَ الإيمانِ: لقَدْ تَعَبَّدَنَا اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الآيَةِ الكَرِيمَةِ الجَامِعَةِ بَأَعْظَمِ الأَوَامِرِ امْتِثَالًا، وَبِأَخْطَرَ النَّوَاهِي اجْتنَابًا، قالَ ابنُ مسعُودٍ رضيَ اللّهُ عنْهُ: «هَذِهِ أَجْمَعُ آيَةٍ فِي القُرْآنِ لخَيْرٍ يُمْتَثَلُ ولشَرٍّ يُجْتَنَبُ»، وَلَنَا وَقْفَةٌ عَامَّةٌ معَ الأَوَامِرِ الثَّلَاثَةِ التي تَعَبَّدَنَا اللّهُ تَعَالَى بهَا، ثمَّ وَقْفَةٌ خَاصَّةٌ معَ الأَمْرِ بالإِحْسَانِ.
لقد خَاطبنَا اللهُ تعالَى في هذِه الآيةِ بثلاثَةِ أَوَامِرَ عظيمَةٍ:
- أَوَّلُهَا العَدْلُ: وهو كُلُّ مَفْرُوضٍ منْ عَقَائِدَ وشَرَائِعَ وسُلُوكٍ، ومنهَا: أَدَاءُ الأَمَانَاتِ، وتركُ المَظَالمِ، والإنصَافُ، وإعطَاءُ الحَقِّ لمنْ لَهُ الحَقُّ، وتُعْرَفُ مَرْتَبَةُ العَدلِ هذهِ بمَرْتَبَةِ الحُقُوقِ والوَاجبَاتِ الِّتي لا يَجُوزُ للمسْلِمِ أن يَتَعَدَّى حُدُودَهَا، بأن يُقَصِّرَ في وَاجِبٍ، أو يَمْنَعَ حَقًّا، وكِلَاهُمَا في دَائرَةِ المحظُورِ.
- وثانيهَا الإِحسَانُ: وهوَ فعلُ كلِّ مندُوبٍ إليهِ، وهوَ فَوقَ مَرتَبَةِ العَدْلِ (فَهِيَ مَرتَبَةُ كَمَالٍ وفَضْلٍ)، ولا يُلَقَّاهَا إلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ، منْ ذَلِكَ العَفْوُ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، قَالَ اللّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الشُّورَى: ( وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى: 39 ــ 43]، فَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا)، وقولُهُ أيضًا: (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ) ، تُشيرَانِ إلى مَرْتَبَةِ العَدْلِ التِي ذَكَرْنَاهَا مِنْ قَبْلُ، ولَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَدَّاهَا، وإلَّا كَانَ ظَالِمًا مُتَجَاوِزًا لِلْحَدِّ، وقَدْ دَلَّتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةُ الشَّرْعِ القَوِيمِ، كَقولِهِ تَعَالَى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [المائدة: 45]، وأمَّا قولُهُ جلَّ وَعَلَا: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ، وكَذَا قَوْلُهُ: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، فإِنَّهُمَا تَدُلَّانِ على مَرْتَبَةِ الإِحْسَانِ وَالكَمَالِ وَالفَضْلِ، لذَا وَصَفَتْهَا الآيَةُ بِالمُوَكِّدَاتِ المُتَعَدِّدَةِ، وأصْحَابُهَا من أُولِي العَزْمِ والِإيمَانِ المَكِينِ.
- وثالثُهَا صلَةُ ذِي القُرْبَى والرَّحِمِ بأنوَاعِ الصِّلَاتِ المَادِّيَّةِ والمَعْنَوِيَّةِ، ومَعْلُومٌ مَا للرَّحِمِ منْ مَكَانَةٍ فِي التَّشْرِيعِ الإِسْلَاميِّ، قَالَ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ منَوِّهًا بمَكَانةِ الرَّحِمِ، ومشَدِّدًا في حَقِّهَا، كَمَا عند مسلم من حَديثِ عَائشَةَ أمِّ المؤمنينَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا: «الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ»، وَلَنَا عَوْدٌ جَمِيلٌ إلى الأَمْرِ بِالإِحْسَان.
أُمَّةَ امتثالِ أوامِرِ اللّهِ: إنَّ مَقَامَ الإحْسَانِ من أَعْلَى مَرَاتِبِ الدِّينِ الثَّلَاثَةِ، كَمَا يَقُولُ سَيِّدِي عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ عَاشِرٍ قدَّسَ اللّهُ سِرَّهُ في المُرْشِدِ المُعِينِ:
وَأَمَّا الإِحْسَانُ فَقَالَ مَنْ دَرَاهْ …… أَنْ تَعْبُــــــــــدَ اللَّهَ كَأَنَّــــــــكَ تَـــــــــــــــــــــرَاهْ
إِنْ لَـــمْ تَكُنْ تَرَاهُ إِنَّهُ يَــــــــرَاكْ …… وَالدِّينُ ذِي الثَّلَاثُ خُذْ أَقْوَى عُرَاكْ
ويبتدَئُ مَقَامُ الإحسَانِ بعبادَةِ القُلُوبِ: بأنْ يتَحَقَّقَ المسلِمُ بمعنَاهُ الذِي ورَدَ فِي حَدِيثِ جبرِيلَ عليهِ السَّلَامُ الذِي رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رضيَ اللّهُ عنهُ: «أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ»، ثُمَّ يُتَوَّجَ عَمَلًا صَالِحًا متقَنًا يَظْهَرُ عَلَى الجَوَارِحِ عِبَادَةً وسُلُوكًا، ويُمَثِّلُ له النّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأَمْثِلَةٍ كثِيرَةٍ، نَذْكُرُ بَعْضًا من مَظَاهِرِهَا تَمْثيلًا لا حَصْرًا: فَمنْهَا الإحْسَانُ إلى الحَيَوَانِ، وفيهِ يَقولُ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كما عندَ مُسْلِمٍ من حَدِيثِ شَدَّادِ بنِ أَوْسٍ رضيَ اللهُّ عنْهُ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ…»، وإتْقَانُ العَمَلِ وتَجْوٍيدُهُ لَوْنٌ من أَلْوَانِ الإِحْسَانِ، فَقَدْ وَرَدَ في الأَثَرِ الصَّحِيحِ كما في شُعَبِ الإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضيَ اللّهُ عنهَا: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ»، ومن مَظَاهِرِهِ أَيْضًا البِرُّ بالعِبَادِ وحُسْنُ معَامَلَتِهِمْ قوْلًا وفِعْلًا، وخُصُوصًا الأقرَبِينَ منهُمْ، فيقُولُ جَلَّ شَأنُهُ: ( وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ) [البقرة: 83]، وتَجَلِّيَاتُهُ فوقَ العَدِّ والحَصْرِ.
ومنَ اللَّطَائِفِ التِي يَذْكُرُهَا أَهْلُ التَّفسِيرِ في مَظَاهِرِ الإِحْسَانِ أنَّ جَمَاعَةً شَكَتْ عَامِلَهَا وَوَالِيَهَا إلَى أبِي جَعْفَرٍ المَنْصُورِ العَبَّاسِيِّ، فَحَاجَّهَا العَامِلُ وغَلَبَهَا بأنَّهُمْ لم يُثْبِتُوا عليهِ كَبِيرَ ظُلْمٍ ولا جَوْرٍ في شَيْءٍ، (أيْ كانتْ حُجَّةُ الوَالِي في إِظْهَارِ عَدْلِهِ وإِنصَافِهِ وَحُسْنِ تَسْيِيرِهِ قَوِيَّةً)، فَقَامَ فَتًى من القَوْمِ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ والْإِحْسَانِ) [النحل: 90]، وإنَّهُ عَدَلَ ولَمْ يُحْسِنْ، قَالَ: فَعَجِبَ أَبُو جَعْفَرٍ من إصَابَتِهِ، وَعَزَلَ العَامِلَ، فَكَانَ هذَا الفَتَى مُوَفَّقًا في الاستدلَالِ بالآيَةِ الكَرِيمَةِ، وتَنزِيلِهَا على هَذهِ الوَاقِعَةِ تَقْوِيَةً لِحُجَّةِ القَوْمِ.
أيُّها المؤمنونَ الصَّادقون: إنَّ مَقَامَ الإِحْسَانِ يَرْقَى بِصَاحِبِهِ من عَالَمِ الصُّوَرِ والظَّوَاهِرِ إلَى عَالَمِ الحَقَائِقِ والسَّرَائِرِ، وفي هَذَا المَعْنَى يقُولُ العَارِفُ باللّهِ ابنُ البَنَّا السَّرَقُسْطِيُّ:
وَعَلِـــــمُوا مَــــــرَاتِبَ الْوُجُودِ ….. كَالْأُمِّ وَالْوَالـِــــدِ وَالْمَوْلُودِ
وَاسْتَشْعَرُوا شَيْئًا سوَى الْأَبْدَانِ…. يَدْعُونَهُ بِالْعَالَمِ الرَّوْحَانِي
وَمَا أَروَعَ تَوْصِيفَ الإمَامِ ابنِ عَجِيبَةَ في الفتوحَاتِ الإلهيَّةِ لمَقَامِ الإِحْسَانِ، وهو يَشْرَحُ البَيْتَيْنِ السَّابِقَيْنِ: «اعْلَمْ أنّ عَالَمَ الأَشْبَاحِ هُوَ عَالَمُ المُلْكِ، وَعَالَمَ الأَرْوَاحِ هُوَ عَالَمُ المَلَكُوتِ، ومَحَلُّهُمَا وَاحِدٌ، إذْ لَيْسَ لَنَا إلَّا وُجُودٌ وَاحِدٌ، لَكِنَّ النَّظْرَةَ تَخْتَلِفُ باخْتِلَاِف التَّرَقِّي في المَعْرِفَةِ، فمَا دَامَ العَبْدُ مَسْجُونًا بمُحِيطَاتِ حِسِّهِ، مَحْصُورًا في هَيْكَلِ نَفْسِهِ، فهو مُقِيمٌ في عَالَمِ الأَشْبَاحِ، مَحْصُورٌ في عَالَمِ المُلْكِ، لم تُفْتَحْ له مَيَادِينُ الغُيُوبِ، لمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ رُوحَانِيَّةٍ وبَشَرِيَّةٍ، ولا بَيْنَ حِسِّهِ ومَعْنَاهُ، فإذا فَتَحَ اللّهُ بَصِيرَتَهُ وغَابَ عن حِسِّهِ ونَفْسِهِ، وفِلْسِهِ وجنْسِهِ، رأى نُورَ المَلَكُوتِ قد فَاضَ من بَحْرِ الجَبَرُوتِ، فحَجَبَ شُهُودُ ذلك النُّورِ عن ظُلْمَةِ الحِسِّ، وعن رُؤْيَةِ الكَوْنِ بشُهُودِ المُكَوِّنِ…فَأَهْلُ الحِجَابِ لا يَرْوْنَ إلّا عَالَمَ الأَشْبَاحِ، وأَهْلُ العِرْفَانِ وهُمْ أَهْلُ مَقَامِ الإحْسَانِ لا يَرَوْنَ إلَّا عَالَمَ الأَرْوَاحِ، معَ أنّ المَحَلَّ وَاحِدٌ، لكنْ لمَّا رَقَّ حجَابُهُمْ وتَلَطَّفَتْ بَشَرِيَّتُهُمْ اسْتَشْعَرُوا شَيْئًا زَائدًا علَى عَالَمِ الأَشْبَاحِ، وهو عَالَمُ الأَرْوَاحِ» اهـ.
أقول ما تَسْمَعُونَ، وأسْتَغْفِرُ اللّهَ الحَلِيمَ العَظِيمَ لي ولكم، ويَا فَوْزَ المُسْتَغْفِرِينَ، أسْتغِفِرُ اللّهَ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للّهِ وَكَفَى، والصَّلَاةُ على النَّبِيِّ المُصْطَفَى، ومن بآثَارِهِ اقْتَفَى، وبعَهْدِ اللَهِ وَفَّى، وسَلَامٌ علَى عِبادِهِ الذينَ اصْطَفَى، وبعْدُ:
أمَّةَ الشَّهادةِ والواجبِ: لقد مَرَّتْ بنا قَبْلَ أَيَّامٍ قَلِيلَةٍ ذِكْرَى عَزيزَةٌ مَاجِدَةٌ، إنَّهُ يومٌ عَظِيمٌ من أَيَّامِ اللّهِ الخَالِدةِ، أَضَافَتْهُ أُمَّتُنَا المَجِيدَةُ إلى الشَّهِيدِ إِضَافَةً حَقِيقِيَّةً تَتَجَاوَزُ الإِضَافَةَ في عِلْمِ النَّحْوِ العَرَبيِّ، إنَّهُ الشَّهِيدُ الذِي أَعْلَى اللّهُ قَدْرَهُ، وَنَوَّهَ بكَرِيمِ مَقَامِهِ، وَوَكَّدَ على صِدْقِ إِيمَانهِ، حَيْثُ قالَ تعَالَى: ( مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23]، فَهَنِيئًا لشهدَائِنَا الأبْرَارِ هذا المَقَامُ العَالِي عنْدَ البَارِي جَلَّ وعَلَا.
ولمَّا كَانَتِ الشَّهَادَةُ جُودًا بالمُهَجِ والأَرْوَاحِ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللّهِ سبحانَهُ، فإنّ الشَّهِيدَ هُوَ الذي أدَّى وَاجِبَهُ كَامِلًا غيرَ مَنْقُوصٍ، فَاسْتَحَقَّ بذلكَ أَرْقَى مَقَامَاتِ الإِحْسَانِ بجَدَارَةٍ، فَكَانَتْ مَنْزِلتُهُ معَ النَّبيِّين والصِّدِّيقِينَ والصَّالِحِينَ والعلمَاءِ؛ وحَسُنَ أولَئِكَ رَفِيقًا.
أُمَّةَ الإخَاءِ والوَحْدَةِ: ومِنْ أَيَّامِ أُمَّتِنَا التِي تَبْعَثُ على الفَخْرِ والاعْتِزَازِ: اليَوْمُ الوطَنِيُّ للأُخُوَّةِ والتَّلَاحُمِ بينَ الشَّعْبِ وجيشِهِ، المُوَافِقِ الثَّانيَ والعِشْرِينَ من شَهْرِ فبراير، وهذَا التَّلَاحُمُ الذِي تُرْجِمَ بترسِيمِهِ يومًا وَطَنِيًّا، هُوَ بحَقٍّ تُرْجُمَانٌ للمَعَانِي الجَلِيلَةِ التِي جاءَ بهَا دِينُنَا الحَنِيفُ، حيثُ يقُولُ اللّهُ تعَالَى فِي مُحْكَمِ البَيَانِ، مُنَوِّهًا بمتَانَةِ الأخُوَّةِ الإيمَانِيَّةِ بين المُؤْمنينَ: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) [الحجرات: 10]، ويقولُ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كمَا عنْدَ مُسْلِمٍ من حَدِيثِ النُّعمَانِ بنِ بَشِيرٍ رضيَ اللهُّ عنْهُ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنينَ فِي توَادِّهِمْ وتَرَاحُمِهِمْ وتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ والْحُمَّى».
فَهَنِيئًا لشَعْبٍ كَرِيمٍ تَلَاحُمُ جيْشٍ أَمِينٍ قَوِيٍّ بهِ: يَحْمِي الثُّغُورَ، ويَسْهَرُ عَلَى أَمْنِ البِلَادِ والعِبَاِد، بِانسِجَامٍ معَ كُلِّ الأَسْلَاكِ الأَمْنِيَّةِ، يَصْدُقُ فيهَا قَوْلُ الذِي لَا يَنطِقُ عنِ الهَوَى، كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رضي اللّهُ عنه بإسْنَادٍ حَسَنٍ، عنْدَ أَحْمَدَ فِي الزُّهْدِ واللَّفْظُ لأَبِي يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ أَبَدًا: عَيْنٌ بَاتَتْ تَكْلَأُ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ»، وَطُوبَى لِجَيشٍ عَظِيمٍ التِفَافُ شَعْبٍ عَرِيقٍ بِهِ، يَمُدُّهُ بيَدِ العَوْنِ والتَّأْيِيدِ، فَاللَّهُمَّ أَدِمْ عَلَيْنَا نِعَمَكَ الكثِيرَةَ وآلاَءَكَ العَظِيمَةَ.
أيُّها المُحْسنونَ: إنَّ رَمَضَانَ الخَيرِ قَابَ قَوسَيْنِ منَّا أو أَدْنَى، وإنَّ نَسَائمَهُ لَتَلُوحُ في الأُفُقِ القَرِيبِ، وإنَّ نَفَحَاتِهِ العَطِرَةَ لا تُصِيبُ إلّا مَنْ أَعْلَنَهَا تَوْبَةً نَصُوحًا صَادقَةً خَالصِةً للّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، فَلْنَسْتَعِدَّ للقَاءِ ضَيْفِ الرَّحْمَنِ بالإقْلَاعِ عَمَّا اعْتَدْنَاهُ في سَائِرِ الأَيَّامِ من حَسَدٍ وبَغْضَاءَ وشَحْنَاءَ، وَغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ وَرِيَّاءٍ، وَأَكْلِ الرِّشَى وَالرِّبَا والاعْتِدَاءِ، وَعُقُوقِ الوَالِدَيْنِ وَقَطْعِ الأَرْحَامِ ومُعَادَاةِ الأَصْدِقَاءِ، وَهَمْزِ النَّاسِ والوُقُوعِ في أَعْرَاضِهِمْ وَالطَّعْنِ في سَادَاتِنَا العُلَمَاءِ، ومُعَادَاةِ أَوْلِيَاءِ اللّهِ والانْتِقَاصِ من أَقْدَارِهِمْ والاسْتِهْزَاءِ، وإِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ وَالرَّذِيلَةِ والمُنْكَرِ في الأَرْجَاءِ، فَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فيهِ إلى بَاسِطِ الأَرْضِ وَرَافِعِ السَّماَءِ.
وَتَوْبَةٌ منْ كُلِّ ذَنْبٍ يُجْتَرَمْ تَجبُ فَوْرًا مُطْلَقًا وَهْيَ النَّدَمْ
بشَرْطِ الْإِقْلَاعِ وَنفْيِ الْإِصْرَارْ وَلْيَتَلَافَ مُمْكِنًا ذَا اسْتِغفَارْ
وَحَاصِلُ التَّقْوَى اجْتِنَابٌ وَامْتِثَالْ فِي ظَاهِرٍ وَبَاطِنٍ بِذَا تُنَالْ
فَأَقْبِلُوا عَلَى اللّهِ بقلوبٍ نَقيَّةٍ وأَجْسَادٍ طَاهِرَةٍ، وعَزَائِمَ صَادِقَةٍ، وَتَوْبَةٍ خَالصَةٍ نَصُوحٍ، فإنَّ شَهْرَ التَّوْبَةِ يَنْتَظِرُ ببَابِكُمْ، وَلَحَظَاتِ الحَوْبَةِ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى مِنْكُمْ، فَشَمِّرُوا عن سَاعِدِ الجِدِّ لِاسْتِقبَالِ شَهْرِ الصِّيَامِ وَالقِيَامِ والقُرْآنِ بالإحْسَانِ، فاللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا في شَعْبَانَ، وتَقَبَّلْهُ منَّا، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ، وَوَفِّقْنَا لمَرضَاتِكِ والجنَانِ، (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].
عباد الله: إنّي دَاعٍ فَأَمِّنُوا.
اللَّهُمَّ لَا تَدَعْ لَنَا في هَذَا المَقَامِ ذَنْبًا إلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، وَلَا مَرِيضًا إلَّا شَفَيْتَهُ، وَلَا عَدَوًّا إلَّا خَذَلْتَهُ وَقَصَمْتَهُ، اللَّهُمَّ انْصُرْ مَن نَصَرَ الدِّينَ، واخْذُلْ من خَذَلَ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ خُذْ بِيَدِ إِخْوَانِنَا الفِلِسْطِينِيِّينَ إِلَى البِرِّ وَالتَّقَوى.
اللَّهُمَّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاسْتُرْ عَارِيَهُمْ، وأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وتَقَبَّلْ شَهِيدَهُمْ، وانْصُرْهُمْ على عَدُوِّك وعَدُوِّهِمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
اللَّهُمَّ بَاركْ لَنَا في رَجَبٍ وشَعبَانَ، وبَلِّغنَا رَمَضَانَ.
اللَّهُمَّ إِنّا نَسْألُكَ الإِصلَاحَ في الوَلَدِ، والعَافِيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ حَاكِمَ البِلَادِ بِحِفْظِكَ، واكْلَأْهُ بِكَلَاءَتِكَ، وأَيِّدْهُ بتَأيِيدِكَ، وارزُقْهُ بِطَانَةَ الخَيْرِ التي تأْخُذُ بِنَاصِيَتِهِ لِلبِرِّ والتَّقَوى.
رَبَّنَا آتِنَا في الدّنْيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ مَعَ الأَبْرَارِ.
وسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفْرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
للتصفح والتحميل:


