Scroll Top

خطبة الجمعة لعميد جامع الجزائر: استقبال رمضان

الخطبة الأولى

الحمد للّهِ الّذي بيّن الشّريعَةَ وفَصَّلَ الأحكامَ، وأقام على أركان خمسة صرحَ الإسلام: التّوحيد، والصّلاة، والزّكاة، والحجّ، والصّيام؛ أحمده سبحانه كما هدانا إلى دينه طوعًا واختيارًا، وحفّنا بألطافه، ليلًا ونهارًا، وأشكره شكر الذين أخلصوا لربّهم النّيّة، وعملوا الصّالحات إلى أن حلّت بهم المنيّة.

وأشهد أن لا إله إلّا اللّه، وحده لا شريك له، هي عمود الدّين وسنامه، وأفضل ما تعطّر به اللّسان وشنّف السّمع أنغامه، وهي أَمْنُ هذا العالم وهداه وسلامه، لا زالت حليفة قلوبنا وألسنتنا عند النّزع والعرض، يربو لها ثواب ما قمنا به من نفل وفرض.

وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله، بعثه في الأميّين، وختم به المرسلين؛ فهنيئًا لنا أن كنّا من أمّته، والمؤمنين بنبوّته، صلّى اللّه عليه وعلى آله وصحبه، صلاة لا ينتهي أمدها، تعبق بالحبّ لذاته، وتفوح بجلال قدره ونيّر صفاته، وتجمعنا به في رياض عدن وجنّاته، أمّا بعد؛

فيا أيّها الإخوة المؤمنون: هذا شهر شعبان في نهايته، وقد يكون يوم الغد أوّلَ أيّام شهر رمضان، يحلّ بنا ضيفًا كريمًا؛ نهنّئ شعبنا المسلم بحلوله، ونهنّئ أمّتنا جمعاء بقدومه؛ ونسأل اللّه تعالى أن يعيننا على صيامه وقيامه؛ ويكتبنا فيه من عتقائه.

روى ابن خزيمة والبيهقي وغيرهما عن سلمان رضي اللّه عنه قال: «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ شَعْبَانَ فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، قَدْ أَظَلَّكُمْ شَهْرٌ عَظِيمٌ، شَهْرٌ مُبَارَكٌ، شَهْرٌ فِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، جَعَلَ اللَّهُ صِيَامَهُ فَرِيضَةً، وَقِيَامَ لَيْلِهِ تَطَوُّعًا، مَنْ تَقَرَّبَ فِيهِ بِخَصْلَةٍ مِنَ الْخَيْرِ، كَانَ كَمَنْ أَدَّى فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَمَنْ أَدَّى فِيهِ فَرِيضَةً كَانَ كَمَنْ أَدَّى سَبْعِينَ فَرِيضَةً فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ شَهْرُ الصَّبْرِ، وَالصَّبْرُ ثَوَابُهُ الْجَنَّةُ، وَشَهْرُ الْمُوَاسَاةِ، وَشَهْرٌ يَزْدَادُ فِيهِ رِزْقُ الْمُؤْمِنِ، مَنْ فَطَّرَ فِيهِ صَائِمًا كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُوبِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْتَقِصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ؛ قَالُوا: لَيْسَ كُلُّنَا نَجِدُ مَا يُفَطِّرُ الصَّائِمَ، فَقَالَ: يُعْطِي اللَّهُ هَذَا الثَّوَابَ مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ شَرْبَةِ مَاءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ، وَهُوَ شَهْرٌ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ، مَنْ خَفَّفَ عَنْ مَمْلُوكِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، وَأَعْتَقَهُ مِنَ النَّارِ، وَاسْتَكْثِرُوا فِيهِ مِنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: خَصْلَتَيْنِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ، وَخَصْلَتَيْنِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهُمَا، فَأَمَّا الْخَصْلَتَانِ اللَّتَانِ تُرْضُونَ بِهِمَا رَبَّكُمْ: فَشَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَتَسْتَغْفِرُونَهُ، وَأَمَّا اللَّتَانِ لَا غِنًى بِكُمْ عَنْهمَا: فَتُسْأَلُونَ اللَّهَ الْجَنَّةَ، وَتَعُوذُونَ بِهِ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ أَشْبَعَ فِيهِ صَائِمًا سَقَاهُ اللَّهُ مِنْ حَوْضِي شَرْبَةً لَا يَظْمَأُ حَتَّى يَدْخُلَ الْجَنَّةَ».

إخوة الإيمان: في هذا الحديث الشّريف بيّن لكم رسولُ اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فضل رمضان، وما فيه من الخيرات؛ وحثّكم على الاجتهاد فيه بصالح الأعمال، من فرائض ونوافل، وصلوات وصدقات؛ ومن بذل معروف وإحسان، وصبر على طاعة اللّه، وعمارة نهاره بالصّيام، وإحياءِ ليله بالقيام، واجتهاد في الذّكر والدّعاء، وطلب لليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر.

لقد جعل اللّه أوقاتًا للعبادة، تضاعف فيها الحسنات أكثر من غيرها، ومن أفضل هذه المواسم (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]؛ إنّه موسم عظيم الشّأن، كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يجتهد فيه أكثر ممّا يجتهد في غيره، بل كان يتفرّغ فيه من كثير من المشاغل، ويُقبل على عبادة ربّه.

وكان السّلف الصّالح يتفرّغون فيه للتقرّب إلى اللّه بالأعمال الصّالحة، ويجتهدون في عمارة أوقاته بالطّاعات، وكانوا يجلسون في المساجد، ويقولون: «نَحْفَظُ صِيَامَنَا، وَلَا نَغْتَابُ أَحَدًا»، وكانوا يحرصون على صلاة التّراويح، ولا ينصرفون منها حتّى ينصرف الإمام؛ عملًا بقول النبيّ عليه الصّلاة والسّلام: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم: «مَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ».

إنّ شهر رمضان، لمّا كثرت فيه أسباب المغفرة، كان الّذي يفوّت فضله محرومًا غاية الحرمان، فمن يمرّ عليه شهر رمضان، ولا يستفيد فيه مغفرة ذنوبه، وتكفير خطاياه، فهو عبد شقيّ بعيد من اللّه؛ فقد صعد النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم المنبر فقال: «آمِينَ، آمِينَ، آمِينَ فَقَالوا: عَلَامَ يَا رَسولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ عَلَيه السَّلَامُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّد، رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ، ثُمَّ خَرَجَ قَبْلَ وَلَمْ يُغْفَرَ لَهُ، فَأُدْخِلُهُ النَّارَ، فَأَبعَدَهُ اللَّهُ. قُلْ آمِينَ، فَقُلُتُ: آمِينَ»، فلا تفوّتوا فرصة الشّهر الكريم، لا تضيّعوا أوقاته بالغفلة والإعراض، كحال الأشقياء، الّذين نسوا اللّه فأنساهم أنفسهم، فلا ينتفعون من مواسم الخير، ولا يعرفون لها حرمة، ولا يقدّرون لها قيمة.

وتلكم حال فئة من النّاس، لا يعرفون رمضان إلّا أنّه شهر لتنويع المآكل والمشارب؛ والبعض لا يعرف رمضان إلّا أنّه شهر النّوم والبطالة، فتجده معظم نهاره في فراش النّوم، ينام حتّى عن أداء الصّلاة المفروضة؛ والبعض الآخر لا يعرف رمضان إلّا أنّه وقت للسّهر باللّيل، على اللّعب واللّهو، وفي مجالس اللّغو، فإذا فرغ من سهره تسحّر ونام عن صلاة الفجر؛ وبعض النّاس لا يعرفون شهر رمضان إلّا أنّه موسم للتّجارة، فينشطون على البيع والشّراء فيه، يلازمون الأسواق، ولا يحضرون المساجد إلّا قليلًا من الوقت، وعلى عجل، جعلوا رمضان موسمًا للدّنيا، لا للآخرة، يطلبون فيه العرض الفاني، ويتركون النّافع الباقي؛ وليس المراد هنا أن يترك النّاس تجارتهم، ويعطّلوا الأسباب، ولكنّ المراد أن لا يصرفوا أوقاتهم كلّها لطلب الدّنيا، وإنّما يأخذون من ذلك بقدر لا يطغى على طلب الآخرة، والسّعي لها، حتّى لا يفوّتوا مواسم العبادة وأوقات النّفحات؛ وهكذا نرى قدر الشّهر العظيم في عرف بعض النّاس، وذلك من أعظم الحرمان، وأشدّ المصائب على العباد، حين يضيّعون الفرصة السّانحة، ويعرضون عن فضائل رمضان، ويفوّتون عن أنفسهم ما فيه من نفحات، وما يتنزّل في أوقاته من رحمات.

إنّ السّعيد من النّاس من لا يجعل الدّنيا أكبر همّه، ولا غاية أمله، يُقبل على الدّنيا في الحدود التي حدّدها اللّه، فيستمتع بالحياة في غير إسراف، ويكون سيّد المادّة لا عبدًا لها؛ خير النّاس من أخذ نصيبه من دنياه، ولم يضيّع العمل لأخراه، واللّه تعالى يقول في آيات الحجّ: (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) [البقرة: 200 ــ 202].

ويقول جلّ في علاه في سورة الإسراء: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) [الإسراء: 18 ــ 21].

ويقول سبحانه في سورة الشّورى: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ) [الشورى: 20].

أمّةَ الإسلام: إنّ شهر رمضان موسمٌ للطّاعات، وفرصةٌ لتغذية القلوب بغذاء القرآن، وتزكيةِ النّفوس وإصلاحِها بهداية الإيمان، ومن تمام الحكمة أن يكون الإعلام في هذا الشّهر مُعينًا على الخير، لا صارفًا عنه، وموجّهًا إلى القِيَمِ، لا هادمًا لها، فكما أنّ الصّيام تهذيبٌ للنّفس، وتطهيرٌ للرّوح، فإنّ الإعلام يجب أن يكون كذلك، فيبتعدَ عن كلّ ما يخدش الحياء، أو يعبث بحرمة الأسرة المسلمة، ويُسيء إلى الأخلاق.

إنّ دور الإعلام في سلامة تصوّرات النّاس أو إفسادها، دور لا يمكن تحديد مداه، وقد رأينا كيف أصبح سلطان الكلمة أنفذ ما يكون في النّفوس؛ وزخمه يضغط على المجتمعات ضغطًا قويًّا، ليجعلَها على صورة القالب الّذي صيغت عليه الكلمة المسوّقة لها؛ فأصبح لزامًا علينا حماية المجتمع من التصوّرات المضلّلة، ومن الكلمة المضلّلِة التي يكسوها أصحابها ثيابًا جميلةً، باسم الإبداع الفنيّ، وحرّيّة التّعبير؛ وهي في الواقع تزيّن الرّذيلة؛ وتباعد من الفضيلة؛ وتقلب سُلَّمَ القِيَمِ، فيسمو بتأثيرها ما كان وضيعًا، ويسقط بها ما كان رفيعًا؛ ويصبح بتأثيرها المعروف منكرًا والمنكر معروفًا.

إنّ الكلمة أمانة، وإنّ الإعلام رسالة، والقائمون عليه من أهل المروءة والاستقامة والأخلاق يجعلونه أداة تربية وإصلاح، ونبراسًا للفضيلة والرقيّ، لا وسيلة للتّلهية الفارغة، والتّرفيه الماجن؛ ولا يخفى أثرُه السّيّء في تمييع طائفة من شباب الأمّة، وإفساد أخلاقهم، وانحرافهم عن سواء السّبيل؛ إنّ من علامات الخير أن نرى منابر للإعلام في هذا الشّهر تُسهم في نشر العلم، وتوضيح معالم الدّين، وإرساخ معاني الإيمان والقِيم التي تبني ولا تهدّم، وتجمع ولا تفرّق؛ إنّ المأمول أن يكون الإعلام هادفًا يرتقي بالمجتمع، ويصون قيمه ومقوّماته، ويعزّز في النّفوس حبّ الدّين وحبّ الوطن، ويحفّز الإرادات والعزائم، لكي تجتمع على الرّشد، وعلى حبّ الخير وخير العمل.

عبادَ اللّه: اتقوا اللّه، وعظّموا شهر رمضان، اغتنموا مواسم الخير قبل فواتها، وحاسبوا أنفسكم عن زلّاتها وهفواتها؛ واعلموا أنّ الفُرص لا تدوم، وأنّ الأعمار محدودة بأجل معلوم.

جعلني الله وإيّاكم ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ) [الزمر: 18].

أقول قوْلي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم فاستغفروه، إنّه الغفور الرحيم.

الخطبة الثّانية

الحمد للّه الذي جعل لعباده مواسم يتقرّبون إليه فيها بأنواع الطّاعات، فيغفرُ لهم الذّنوب، ويرفعُ الدّرجات؛ أحمدُه سبحانه، جعل الأيّام مواسم للطّاعة، والشّهورَ ميقاتًا للسّباق إلى الخيرات.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، حكم فقدّر، وشرَع فيسّر؛ ولا يزال يُفيض على عباده من أنواع البرّ والبركات؛ وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا عبده ورسوله، أوّلُ سابق للخيْرات، صلّى اللّه عليه وعلى آله وأصحابه، الّذين كانوا يحافظون على طاعة ربّهم في جميع الأوقات، ويخصّون أوقات الفضائل بمزيد من القربات، وسلّم تسليمًا كثيرًا، أمّا بعد؛

فيا أيّها الإخوة المؤمنون: بالأمس كنّا نستقبل شهر رمضان، فإذا به قد عاد، وكأنّ العام لم يكن إلّا لحظات، مرّت بالأمّة وأفرادها، فمنهم من زادته الأيام إيمانًا وعملًا صالحًا، ومنهم من ألهته الدّنيا عن الزّاد ليوم المعاد؛ ها هو رمضان يحلّ بنا من جديد، ويكون شاهدًا لنا أو علينا، فطوبى لمن يُحسن فيه العمل، والخيبةُ والخسرانُ لمن يضيّعُ فيه الفرصة، ويقعدُ به الكسل وطول الأمل.

ولئن كان رمضان زمنًا للسموّ الروحيّ والتّجديد الإيمانيّ، فإنّه سيحلّ بنا، وقد أكمل جامع الجزائر عامًا منذ افتتاحه، هذا الصّرح الذي لم يكن مجرّد حجر يرتفع، بل إنّه رسالةٌ تُبنى، ومنارةٌ تُضيء، ومجلسُ علم يُحيي معانيَ الإيمان؛ فكما نستبشر برمضان كلّ عام، نستبشر بأن يكون جامع الجزائر شاهدًا على نهضة دينيّة وعلميّة، تحيي في النّفوس روح التّقوى، وتعيد إلى الأمّة الجزائريّة مجدَها الأصيل، بمرجعيّتها الدّينيّة الوطنيّة الجامعة.

وإنّ من شُكر النّعم أن نعترف بالفضل لأهله، فقد شرّف اللّه رجالًا، قيّضهم لهذا المشروع العظيم، رجالًا صدقوا الوعد، وأوفوا بالعهد، فعملوا بإخلاص، وأفنوا الجهد، حتى ارتفع الصّرح شامخًا، شاهدًا على عزّة الإسلام، ورسوخ الجزائر في هوّيّتها وقيمها الحضاريّة؛ فجزى اللّه خيرًا كلّ من أسهم في بنائه، من أهل الفكر والتّخطيط، ومن سهروا على تصميمه وإنشائه، ومن وقفوا على تفاصيل إنجازه، حتى صار اليوم منارةَ علم وإيمان، ومفخرةً للوطن والأمّة جمعاء.

ونخصّ بالعرفان والتّقدير رئيسَ الجمهوريّة، السّيّد عبد المجيد تبون، الذي واكب هذا المشروع، منذ انطلاقه، حتى افتتحه بعناية وتقدير، في صورة تليق بمقامه ومكانته؛ فجزاه اللّه عن جهوده المخلصة خير الجزاء، وجعلها في صحائف أعماله وميزان حسناته؛ ووفّقه لما فيه خير البلاد والعباد، وأدامه اللّه نصيرًا للحقّ، راعيًا للعلم، حريصًا على هوّيّة الأمّة وثوابتها ومرجعيتها الدّينيّة الجامعة.

عبادَ اللّه المؤمنين: إنّ أمّتنا الإسلاميّة ما زالت ترزح تحت جراحها، وتئنّ تحت وطأة المِحن والابتلاءات، فكم من بلاد يعصف بها الفقر، ويهدّدها النّزاع والخصومات، وتُحاك ضدّها المؤامرات؛ وكم من شعوب حُرمت الأمن والأمان، ويضيّق عليها في دينها ومعاشها، واللّه المستعان.

لكنّ القلبَ يعتصر ألمًا، والنّفسَ تغلي غيرةً، لما يجري في أرض فلسطين، التي ما زال أبناؤها يقاومون الاحتلال الغاشم بصدور عارية، وثبات لا يلين؛ المسجد الأقصى يئنّ تحت وطأة العدوان والاحتلال، وأبناء غزّة يعانون ويلات الحصار، بعد عدوان همجيّ آثم؛ وأحرار الضّفّة يتعرّضون للبطش والتّنكيل، في كلّ وقت وحين، ومع ذلك لم تنكسر إرادتُهم، ولم تضعف عزيمتهم، لأنّهم يعلمون أنّ اللّه معهم، وأنّ النّصر صبرُ ساعة، واللّه مع الصّابرين.

فيا عبادَ اللّه: إنّ الواجبَ علينا، نحن المسلمين، في هذا الشّهر المبارك، شهرِ الجهاد بالصّيام، والجهاد بالدّعاء، والجهاد بالمال، أن نجعل لإخواننا في فلسطين نصيبًا من نُصرتنا بقلوبنا وأفعالنا، وبألسنتنا ودعائنا، فلا تخذلوهم، فإنّ اللّه يحبّ المحسنين ولا يحبّ الخاذلين.

لا تنسوْهم من دعواتكم في السّحر، وعند الإفطار، وفي جوف اللّيل؛ فدعوةُ الصّائم لا تُردّ، ولعلّها تكون باب الفرج عليهم، وإنّ النّصر آتٍ بإذن اللّه، (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) [الحجّ: 40].

اللّهمّ أصلح لنا ديننا الّذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا الّتي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا الّتي إليها معادنا، واجعل الحياة زيادة لنا في كلّ خير، واجعل الموت راحة لنا من كلّ شرّ، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، ولا إلى النّار مصيرنا، واجعل الجنّة هي دارنا ومستقرّنا، ولا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.

اللّهمّ ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السّفهاء منّا.

اللّهمّ آمِنَّا في أوطاننا، وأصلح أئمّتنا وولاة أمورنا.

اللّهمّ اجعل بلدنا هذا بلدًا آمنًا مطمئنًّا سخاءً رخاءً وسائر بلاد المسلمين…

اللّهمّ أغث قلوبنا بالإيمان والتّقوى واليقين، وأغث أرضنا وأرض المسلمين بالخيرات والبركات والأمطار والأرزاق برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

اللّهمّ انصر من نصر الدّين، واخذل من خذل المسلمين، واجعل دائرة السّوء على أعدائك الكافرين.

اللّهمّ انصر إخواننا المؤمنين المستضعفين، اللّهمّ انصرهم في غزّة وفي أرض فلسطين.

اللّهمّ اربط على قلوبهم، وثبّت أقدامهم، وانصرهم على عدوّك وعدوّهم، لا إله إلّا أنت ظهر اللّاجئين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين.

اللّهمّ كن لهم ولا تكن عليهم، وأعنهم ولا تعن عليهم، وانصرهم على من بغى عليهم.

اللّهمّ كن لهم عونًا وظهيرًا، وكن لهم وليًّا ونصيرًا.

اللّهمّ افتح لهم فتحًا مبينًا، وانصرهم نصرًا عزيزًا.

ألا وصلّوا وسلّموا على نبيّكم، كما أمركم بذلك ربّكم وقال عزّ من قائل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]؛ فأكثروا من الصّلاة عليه تكونوا من الفائزين.

اللّهمّ اجعلنا بالصّلاة عليه من الفائزين، وعلى حوضه من الواردين، ولا تحل بيننا وبينه يوم القيامة برحمتك يا أرحم الرّاحمين.

سبحان ربّك ربّ العزّة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد للّه ربّ العالمين.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.