الخطبة الأولى
الحَمْدُ للّهِ ذِي الجَلَالِ والكبريَاءِ، المتفَرِّدِ بالبَقَاءِ، قضَى علَى كُلِّ شَيْءٍ بالزَّوَالِ والفَنَاءِ، أحمَدُهُ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى حَمْدًا يَلِيقُ بجَلَالِ وجهِهِ وعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، لَا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أثْنَى علَى نَفْسِهِ، خَلَقَ الكَوْنَ فأبْدَعَهُ، وجَعَلَهُ آيَةً منْ آيَاتِهِ العُظْمَى، ودليلًا علَى صِفَاتِهِ العُلَى، جَلَّ وعَزَّ وعَلَا، وأشهُدُ أن لا إلهَ إلَّا اللّهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لهُ، وأشهَدُ أنّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، الرَّحمَةُ المهْدَاةُ، والنِّعمَةُ المسْدَاةُ، والسِّرَاجُ المنيرُ، بَعَثَهُ اللّهُ تعالَى بينَ يدَيِ السَّاعَةِ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إِلَى اللَّهِ بإذْنِهِ وسِرَاجًا مُنيرًا، صلَّى اللّهُ تَعَالَى عليهِ، وعَلَى آلِهِ وصَحْبِه وأزواجِهِ، ومن اقْتَفَى أَثَرَهُ واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ، وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، أَلَا واتَّقُوا اللّهَ عِبَادَ اللَّهِ، ورَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ والإِعْلَانِ، وفِي الإِقْبَالِ وَالإِدْبَارِ، وَآنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [الحشر: 18]، ألَا وإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كتابُ اللَّهِ تَعَالَى، وخَيْرَ الهُدَى هُدَى مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، وشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضلَالَةٌ، أمَّا بَعْدُ:
عبادَ اللّهِ: إِنَّ سُنَّةَ اللّهِ الحَكِيمَةَ في كَوْنِهِ، وتدبيرَهُ القَويمَ في خَلْقِهِ، اقتضَتْ مُرُورَ اللَّيَالِي والأَيَّامِ، وتَعَاقُبَ الشُّهُورِ والأعوَامِ، تَبَعًا لحَرَكَتَيِ الشَّمْسِ والقَمَرِ، آيتينِ عظيمَتَيْنِ منْ آياتِ اللّهِ الكُبْرَى، قال تعالى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ، فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَّبِّكُمْ ولِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا) [الإسراء: 12]، ومن آياتِ اللّهِ البَاهِرَةِ المتعلِّقَةِ بالزَّمَنِ، أنْ جَعَلَ السَّنَةَ الهجريَّةَ اثنَيْ عَشَرَ شَهْرًا، حِسَابًا دَقِيقًا، وخَصَّ منهَا أربعَةً، فكَانَتْ حُرُمًا، قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36].
والأَشْهُرُ الحُرُمُ كَمَا أخبَرَ بِذَلِكَ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ أرْبعَةٌ: ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: «ذُو القَعْدَةِ، وَذُو الحِجَّةِ، وَالمُحَرَّمُ، وَشَهْرٌ فَرْدٌ، هُوَ شَهْرُ رَجَبٍ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ».
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
أُمَّةَ الإيمان: إِنَّ شَهْرَ رَجَبٍ من أشهُرِ اللّهِ الحُرُمِ، سُمِّيَ كذلكَ لأنَّهُ شَهْرٌ مُعَظَّمٌ في الجاهليَّةِ والإِسْلَامِ، إذِ الرَّجْبُ هو التّعظيمُ والتّبجيلُ والإجلَالُ، وقَدْ نُسِبَ لقَبِيلَةِ مُضَرَ العَرَبِيَّةِ، فقيلَ: «رَجَبُ مُضَرَ»، لأنّها كَانتْ أكثَرَ القَبَائِلِ ترجيبًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وقد أَقَرَّ الإسلَامُ هَذَا الإجْلَالَ للشَّهْرِ عَلَى لسَانِ سَيِّدِنَا رسُولِ اللّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، فقد جَاءَ في فضَائِلِ الأَوْقَاتِ لأبي بَكْرٍ البيهقِيِّ عن سيِّدِنَا عبْدِ اللّهِ بنِ عبَّاسٍ رضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا في قَوْلِهِ عزَّ وجَلَّ: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) [التوبة: 36]، قال: «لَا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُم فِي كُلِّهِنَّ، ثُمَّ اخْتَصَّ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فجَعَلَهُنَّ حُرُمًا، وعَظَّمَ حُرُمَاتِهِنَّ، وجَعَلَ الذَّنْبَ فِيهِنَّ أَعْظَمَ، وَالعَمَلَ الصَّالِحَ والأَجْرَ أَعْظَمَ».
قال البيهقِيُّ رحمهُ اللّهُ: «وكَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يُعَظِّمُونَ هذهِ الأَشْهُرَ الحُرُمَ؛ وخَاصَّةً شَهْرَ رَجَبٍ، فكَانُوا لَا يُقَاتِلُونَ فِيهِنَّ».
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
أمَّةَ تعظيمِ الشَّعَائِرِ: إنَّ لشَهْرِ رَجَبٍ مِيزَةً؛ وأَيَّةُ ميزَةٍ، فهوُ شَهْرُ إحْكَامِ الزَّرْعِ والاعْتِنَاءِ به، ليسْتَوِيَ سُوقُهُ، ويَقْوَى عُودُهُ، وعن فضلِهِ يقُولُ الشَّيْخُ أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ البَلْخِيُّ: «شَهْرُ رَجَبٍ شَهْرٌ لِلزَّرْعِ، وشَعْبَانُ شَهْرُ السَّقْيِ لِلزَّرْعِ، ورَمَضَانُ شَهْرُ حَصَادِ الزَّرْعِ»، وعنهُ أيضًا رضِيَ اللّهُ عنهُ أنَّهُ قَالَ: «مَثَلُ شَهْرِ رَجَبٍ مَثَلُ الرِّيحِ، ومَثَلُ شَعْبَانَ مثَلُ الغَيْمِ، وَمَثَلُ رَمَضَانَ مَثَلُ القَطْرِ».
وَقَالَ الشَّيْخُ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ: «السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ فُرُوعُهَا، وَالأَيَّامُ أَغْصَانُهَا، وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا، وَأَنْفَاسُ الْعِبَادِ ثَمَرَتُهَا، فَشَهْرُ رَجَبٍ أَيَّامُ تَوْرِيقِهَا، وَشَعْبَانُ أَيَّامُ تَفْرِيعِهَا، وَرَمَضَانُ أَيَّامُ قَطْفِهَا، وَالْمُؤْمِنُونَ قُطَّافُهَا».
وقَالَ العَلَّامَةُ ابنُ رَجَبٍ الحنبَلِيُّ رحمَهُ اللّهُ تعالى في لَطَائفِ المَعَارِفِ مُوَكِّدًا خَيرِيَّةَ هَذَا الشَّهْرِ وبَرَكَتَهُ: «شَهْرُ رَجَبٍ مِفْتَاحُ أَشْهُرِ الخَيْرِ والبَرَكَةِ».
وقَالَ أيضًا: «جَدِيرٌ بِمَنْ سَوَّدَ صَحِيفَتَهُ بِالذُّنُوبِ أَنْ يُبَيِّضَهَا بِالتَّوْبَةِ فِي هَذَا الشَّهْرِ، وَبِمَنْ ضَيَّعَ عُمْرَهُ فِي البِطَالَةِ أَنْ يَغْتَنِمَ فيهِ مَا بَقِيَ مِنَ العُمُرِ».
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
أيّها المؤمنون الصّادقون: لقد جَرَى العملُ في بلادِنَا الحَبِيبَةِ، تعظِيمًا لشهرِ رجبٍ، افْتتاحُ تلاوةِ صَحيحِ الإِمامِ البُخاريِّ في الأُسبوعِ الأوَّلِ منهُ، ويُخْتَتَمُ في ليلَةِ السَّابعِ والعِشْرِينَ منْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وهذا علَّامةُ الجزائِرِ الشَّيخُ محمَّدُ بنُ عبدِ القَادِرِ شارِف رحمهُ اللهُ يؤلِّفُ رسالَةً علميَّةً بعنوانِ «قراءَةُ صحيحِ البخاريِّ» يوكِّدُ فيها ما جرَتْ به السُّنَّةُ الحميدَةُ في الجَامِعِ الكَبِيرِ بالعاصمَةِ، فيقولُ ما نَصُّهُ: «هذا العَمَلُ الجليلُ، عَمَلُ سَرْدِ الجامعِ الصَّحِيحِ للإمَامِ البخارِيِّ رحمَهُ اللّهُ، وإسمَاعُ روايتِهِ للجُمْهُورِ، لَهُوَ مِنْ أَنْبَلِ الأعمَالِ وأَرْفَعِهَا شَأْنًا، تَخُصُّ عِمَارَةَ بُيُوتِ اللّهِ التي أَذِنَ أن تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فيهَا اسْمُهُ… وأمّا صحيحُ البخارِيِّ فَيُسْرَدُ علَى مَلَإٍ من الجمهُورِ، كُلَّ يومٍ من السَّاعَةِ العاشرَةِ صَبَاحًا إلى أن يَحِينَ وَقْتُ الظُّهْرِ، وقد رَتَّبَهُ السَّلَفُ رحمهُمُ اللّهُ على القُرَّاءِ المَعْنِيِّينَ به في الأشْهُرِ الثَّلَاثَةِ: رَجَبٍ وشَعْبَانَ ورَمَضَانَ، يبتدئُونَهُ في أَوَّلِ رَجَبٍ، ويختمُونَهُ في السَّادِسِ والعِشْرِينَ رَمَضَانَ، لِيُوَافِقَ خَتْمُهُ لَيْلَةَ القَدْرِ المبَارَكَةِ؛ رَجَاءَ أن يَسْتَجِيبَ اللّهُ دُعَاءَ السَّائلِ ذِي الحَاجَةِ من عِبَادِهِ، وللّهِ في أَيَّامِهِ نَفَحَاتٌ، يَجِبُ علَى العِبَادِ أن يَتَعَرَّضُوا لها، كَمَا جاءَ ذلكَ في بعضِ أَحَادِيثهِ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ»، انتهى كلامه رحمه الله.
وقد أحيَا جامعُنَا هذه السَّنَةَ لأَوَّلِ مَرَّةٍ هذهِ السُّنَّةَ الحميدَةَ، فَأَقَمْنَا مَجْلِسًا مُبَارَكًا الأرْبِعَاءَ الفَائِتَ غُرَّةَ رَجَبٍ الموافِقَ الأَوَّلَ من يناير 2025م، حيثُ افْتُتِحَ فيه الصّحِيحُ الجَامِعُ في حَفْلٍ بَهِيجٍ، ونَدْعُو من خِلَالِ هذا المِنبَرِ قَاصِدِي الجَامِعِ أن يَأْخُذُوا من بَرَكَاتِ هذه المَجَالِسِ ونَفَحَاتِهَا كُلَّ يَوْمٍ بعدَ صَلَاتَيِ الظُّهْرِ والعَصْرِ، إلى أن يَكْتُبَ اللّهُ لنا خَتْمَهُ ليلَةَ القَدْرِ إن شَاءَ اللّهُ تعَالَى.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
أمّةَ الجِدِّ والاجتهادِ: اغتنموا مَكْرُمَةَ دُخُولِ هذا الشّهرِ الجليلِ، وزيارَةَ هذا الضّيفِ العزيزِ، للتزوُّدِ منه لقابِلِ أيّامِكُمْ، إذِ انتهَازُ الفرصةِ بالعملِ في هذا الشّهْرِ غنيمَةٌ، واغتنَامُ أوقَاتِهِ بِالطَّاعَاتِ له فضيلَةٌ عظيمَةٌ، واعْلَمُوا بأنَّ العُمْرَ فَانٍ، والرَّحِيلَ قريبٌ، والكَيِّسُ مَنْ دَانَ نفسَهُ وعَمِلَ لِمَا بعدَ المَوْتِ، والعَاجِزُ مَنْ أَتبَعَ نَفسَهُ هَوَاهَا وتَمَنَّى علَى اللّهِ الأَمَانِيَّ.
بَيِّضْ صَحِيفَتَكَ السَّوْدَاءَ في رَجَبٍ بِصَالِحِ الْعَمَلِ الْمُنْجِي مِنَ اللَّهَبِ
شَهْـــــــرٌ حَرَامٌ أَتَى مِنْ أَشْــــــهُرٍ حُرُمٍ إِذَا دَعَا اللهَ دَاع فِيهِ لَمْ يَخِبِ
طُـــــوبَى لِعَبْدٍ زَكَا فِيهِ لَهُ عَــــــمَلٌ فَكَفَّ فِيهِ عَنِ الْفَحْــــشَاءِ وَالرِّيَبِ
أقولُ ما تَسْمَعُونَ، وأستغفِرُ اللّهَ الحَلِيمَ العَظِيمَ لِي ولَكُمْ، ويَا فَوْزَ المستغفِرِينَ أستغفِرُ اللّهَ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ للّهِ وَكَفَى، والصَّلَاةُ على النّبيِّ المُصْطَفَى، ومَنْ بِآثَارِهِ اقْتَفَى، وبعَهْدِ اللّهِ وَفَّى، وسَلَامٌ على عبَادِهِ الذينَ اصْطَفَى وبعدُ:
فإنَّ من أَوْكَدِ مَا يُعْنَى به المسلِمُ في هذه الأيَّامِ المباركَةِ أعمَالًا جليلَةً، يَتَعَرَّضُ بها لنفحَاتِهَا، ويُقْرِي بها ضِيَافَتَهَا، وتَكُونَ زَادًا لَهُ لِشَهْرِ المَكْرُمَاتِ رَمَضَانَ.
ومن أخَصِّ الأعْمَالِ الصَّالحَةِ التي نَسْتَقْبِلُ بها ضَيْفَنَا العَزِيزَ أربَعُ عِبَادَاتٍ جَلِيلَةٍ:
أوّلًا: التَّوْبَةُ النّصوحُ من كُلِّ الذّنوبِ والآثامِ: والأوبَةُ إلى اللّهِ تعالى حَقَّ الأَوْبَةِ، والعَزْمُ الأَكيدُ على بَدْءِ صَفْحَةٍ جديدَةٍ، تَأَهُّبًا لشَهْرِ رَمَضَانَ الفَضِيلِ، وتَعَرُّضًا لنَفَحَاتِ اللّهِ التِي ضَمَّنَهَا أَوْقَاتَهُ المبارَكَةَ، قال اللّهُ تعالى مُوَكِّدًا شَأْنَ التَّوْبَةِ في كُلِّ آنٍ وحِينٍ: (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ المُؤْمِنُونَ لعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [النور: 31].
ثانيًا: ذكرُ اللّهِ تعالى ذِكْرًا كثيرًا: والذِّكْرُ مَأْمُورٌ به في مُحْكَمِ التِّبْيَانِ، حيثُ قالَ اللّهُ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) [الأحزاب: 41، 42]، وقد أَوْصَى به عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَمَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ في سُنَنِهِ، والبَيْهَقِيِّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، من حديثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رضي اللّهُ عنه أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ، قَالَ: لَا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ».
وإنَّ من أَفْضَلِ الذِّكْرِ على الإطْلَاقِ تِلَاوَةُ كِتَابِ اللّهِ سبْحَانَهُ بُكْرَةً وعَشِيًّا، قَالَ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَن تَبُورَ لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) [فاطر: 29 ــ 30]، وقالَ عليه الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَمَا في حديثِ أبي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ رضي اللّهُ عنه عندَ مُسْلِمٍ: «اقرَؤُوا الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ».
فاحْرِصُوا عِبَادَ اللّهِ على ذِكْرِ اللّهِ، وتِلَاوَةِ كتَابِهِ، وَإِكْرَامِ الْجَوَارِحِ بِالصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
ثالثًا: الصّومُ: وهيَ عبادَةٌ جليلةٌ، رَغَّبَ فيها التَّشْريعُ الإلهيُّ ترغيبًا آكَدًا، حيثُ نَسَبَهَا اللّهُ تعَالَى لذَاتهِ العَليَّة، فقالَ اللّهُ عزَّ وَجَلَّ في الحديثِ القُدسِيِّ، كمَا عنْدَ الشيخين من حَديثِ أَبي هُرَيْرَةَ رضي اللّهُ عنه: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لهُ، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، ولَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، وَخَصَّهُ اللّهُ تَعَالَى بِبَابٍ في الجَنَّةِ، ضِمْنَ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانيَةِ، فثبتَ في الصَّحِيحَينِ عَنْ سَهْلٍ بن سَعْدٍ رضيَ اللّهُ عنهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
وأمّا مَا وَرَدَ في شَأْنِ صَوْم شَهْرِ رَجَب عَلَى الخُصُوصِ، فهوَ عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْه الصّلاةُ والسّلامُ كَمَا عندَ أبَي دَاوُدَ في سُنَنِهِ، والبيهَقيِّ في شُعَبِ الإيمَانِ عن مُجِيبَةَ البَاهِلِيَّةِ عَنْ أَبِيهَا أَوْ عَمِّهَا رضيَ اللّهُ عنهُ: «صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، صُمْ مِنَ الْحُرُمِ وَاتْرُكْ، وَقَالَ بِأَصَابِعِهِ الثَّلَاثِ، فَضَمَّهَا ثُمَّ أَرْسَلَهَا»، فاحْرصُوا عَلَى صَوْمِ بَعْضٍ من رَجَبٍ، تَأَهُّبًا لِصِيَامِ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
رابعًا: الصَّدَقَةُ في وجوهِ الخيرِ والإحسَانِ: حيث قال اللّه سبحانَهُ وتعالى مُنَوِّهًا بِشَأْنِ صَدَقَةِ السِّرِّ والعَلَانيَّةِ: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ، وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ، ونكفِّرْ عنكُم مِن سَيِّئَاتِكُم) [البقرة: 271]، وثبت عند الشَّيخينِ واللَّفظُ للبخَاريِّ من حديثِ أبي هُرَيْرَةَ رضيَ اللّهُ عنهُ عَنِ النَّبِيِّ أنّهُ قال: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ يَومَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، فذكر منهم: «وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا صَنَعَتْ يَمِينُهُ»، وجاء عندَ أحمَدَ في المسنَدِ، وابنِ خُزَيْمَةَ في الصَّحيحِ، عَن عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ رضيَ اللّهُ عنهُ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عليه وسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، أَوْ قَالَ: يُحْكَمَ بَيْنَ النَّاسِ»، قَالَ يَزِيدُ: فَكَانَ أَبُو الْخَيْرِ لَا يُخْطِئُهُ يَوْمٌ لَا يَتَصَدَّقُ مِنْهُ بِشَيْءٍ وَلَوْ كَعْكَةً، وَلَوْ بَصَلَةً».
فتَظلَّلُوا عبَادَ اللّهِ بِظِلِّ صدقاتِكُمْ: تَدْفَعُ عنكم مَصَارِعَ السُّوءِ، وتَقِيكُمْ مِيتَةَ الجَاهِلِيَّةِ في العَاجِلَةِ، وتَرْفَعُ دَرَجَاتِكُمْ وتُثَقِّلُ مَوَازِينَكُمْ في الآجِلَةِ، وأُمْنيَةُ المُحْتَضِرِ أَنْ يُؤَخَّرَ قليلًا لأجلِهَا، فقال تعالى: (وَأَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِّنَ الصَّالِحِينَ) [المنافقون: 10].
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ
أمّةَ الإحسَانِ: ها هيَ ذِي نفحَاتُ شَهْرِ اللّهِ رَجَبٍ تَنْزِلُ بِرِحَابِكُمْ، وهَا هي ذِي أَعْمَالُهُ الصَّالِحَةُ تَتَحَبَّبُ إليكُمْ، فَشَمِّرُوا عن سَاعِدِ الجِدِّ والاجتهَادِ، وطَلِّقُوا الكَسَلَ والخُمُولَ والرُّقَادَ، وأَكْثِرُوا من أَعْمَالِ البِرِّ في هَذه الأَيَّامِ، فإنّ اللّهَ تعَالَى نَاظِرٌ إليكُمْ نَظَرَ رَحْمَةٍ ومَغْفِرَةٍ.
يَا عَبْدُ أَقْبِلْ مُنِيبًا وَاغْتَنِمْ رَجَــــــــــــــــــبَا فَإِنَّ عَفْوِي عَمَّنْ تَابَ قَدْ وَجَبَا
فِي هَذِهِ الْأَشْهُرِ الْأَبْوَابُ قَدْ فُتِحَتْ لِلتَّائِبِينَ فَكلٌّ نَحْوَنَا هَــــــــــــــــرَبَا
حَطُّوا الرَّكَائِبَ فِي أَبْوَابِ رَحْمَتِــــــنَا بِحُسْنِ ظَنٍّ فَكُلٌّ نَالَ مَا طَلَــــــبَا
وَقَدْ نَثَرْنَا عَلَيْهِمْ منْ تَعَطُّفِـــــــــــــــــــــــــنَا نَثَارَ حُسْنِ قَبُولٍ فَازَ مَنْ نَهَبَا
عبَادَ اللّهِ: إني دَاعٍ فَأَمِّنُوا
اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لنا في هذا المَقَامِ ذَنْبًا إلّا غَفَرْتَهُ، ولا هَمًّا إلّا فَرَجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مَريضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا عَدُوًّا إلّا خَذَلْتَهُ وقَصَمْتَهُ، اللَّهُمَّ انْصُرْ مَنْ نَصَرَ الدِّينَ، واخْذُلْ مَنْ خَذَلَ المسلمين.
اللَّهُمَّ خُذْ بِيَدِ إخْوانِنَا الفلسطينيين إلى البِرِّ والتَّقْوَى، اللَّهُمَّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاسْتُرْ عَارِيَهُمْ، وَأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وتَقَبَّلْ شَهِيدَهُمْ، وانْصُرْهُمْ على عَدُوِّكَ وعَدُوِّهِم نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسألُكَ الإِصلَاحَ في الوَلَدِ، والعَافِيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ.
اللّهمّ احْفَظْ حَاكِمَ البِلَادِ بحِفْظِكَ، واكْلَأْهُ بِكَلَاءَتِكَ، وأَيِّدْهُ بتَأْيِيدِكَ، وارْزُقْهُ بِطَانَةَ الخَيْرِ التي تَأْخُذُ بنَاصيَتِهِ للبِرِّ والتَّقْوَى.
رَبَّنَا آتِنَا في الدُّنْيَا حَسَنَةً، وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وأَدخِلْنَا الجَنَّةَ مع الأَبرَارِ.
اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي رَجَبٍ وشَعْبَانَ، وبَلِّغْنَا رَمَضَانَ.
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا في عامِنَا الجَدِيدِ لما تُحِبُّ وتَرْضَى، وارْزُقْنَا فيه عَمَلًا صَالِحًا زَاكِيًا تَرْضَى بِهِ عَنَّا، وَلَا تَحْرِمنَا فيه عَطَاءَكَ، وَلَا تُخَيِّبْ رَجَاءَنَا فِيكَ، وَلَا تُوَلِّنَا أَحَدًا غَيْرَكَ، وارْحَمْنَا بِلُطْفِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
وَصَلَّى اللّهُ عَلَى سيّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيْرًا
وسُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشهَدُ أن لا إِلَهَ إلَّا أنت، أستغفِرُكَ، وأَتُوبُ إليكَ.
للتصفح والتحميل:


