Scroll Top

خطبة الجمعة: فضائل شعبان

الخطبة الأولى

الحمدُ للّهِ الكَريمِ المَنَّانِ، ذِي الطَّوْلِ والفَضْلِ والِإحْسَانِ، أَكْرَمَنَا بِأَفْضَلِ الأَزْمَانِ، وبَارَكَهَا بتَضْعِيفِ الأَجْرِ، تَثْقِيلًا للميزَانِ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللّهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، شَهَادَةً نَدَّخِرُهَا ليومِ اشْتِدَادِ الأحْزَانِ، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، حَثَّنَا عَلَى صِيَامِ شَهْرِ شعْبَانَ، تَنْوِيهًا بقَدْرِهِ، ورَفْعًا لشَانِهِ، وعَلَّلَ ذلكَ بِرَفْعِ الأعمَالِ فيهِ للّهِ الوَاحِدِ الدَّيَّانِ، صلِّ اللَّهمَّ وسَلِّمْ وبَاركْ عليْهِ وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ، ومَنِ اقتَفَى أَثَرَهُ واسْتَنَّ بِسُنَّتِهِ إلى يومِ تُعْرَضُ فيهِ الصَّحَائِفُ عنِ الشَّمَائِلِ والأَيْمَانِ، ألا واتَّقُوا اللّهَ عبادَ اللّهِ ورَاقِبُوهُ في السِّرِّ والإعْلَانِ، قالَ تَعَالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102]، ألا وإنَّ أصدقَ الحديثِ كتَابُ الله تعالَى، وخَيرَ الهُدَى هُدَى محمَّدٍ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، وشَرَّ الأمُورِ محدثَاتُهَا، وكلَّ بدعَةٍ ضَلَالَةٌ، أمَّا بعْدُ:

أمَّةَ قِرَى الضَّيْفِ: لقدْ هَلَّ علينا هِلَالُ شَعْبَانَ، ضَيْفًا عَزِيزًا، وزَائِرًا كَرِيمًا، أَعْقَبَ شَهْرَ رَجَبٍ الحَرَامِ الَّذِي وَقَفْنَا على كريمِ فَضَائِلِهِ في مَطْلَعِهِ، ويَسْبِقُ شَهْرَ رمَضَانَ العَظِيمِ الذي سَنُخَصِّصُ له حَيِّزًا في حِينِهِ، إنّه شَهرٌ يَتَشَعَّبُ فيه الخيرُ ويَكثُرُ، فلَهُ من اسْمِهِ النَّصِيبُ الوَافِرُ.

إنّهُ شَهْرُ شَعْبَانَ الخَيْرِ، حَرِصَ فيه سَلَفُ هذه الأُمَّةِ على اغتنَامِ أَوْقَاتِهِ في الطَّاعَاتِ والقُرُبَاتِ، تَأَهُّبًا لرمَضَانَ شَهْرِ المَكْرُمَاتِ، يقُولُ الشَّيْخُ أبو بَكْرٍ الوَرَّاقُ البَلْخِيُّ قدَّسَ اللّهُ سِرَّهُ: «شَهْرُ رَجَبٍ شَهْرٌ لِلزَّرْعِ، وشَعْبَانُ شَهْرُ السَّقْيِ لِلزَّرْعِ، ورَمَضَانُ شَهْرُ حَصَادِ الزَّرْعِ»، وَقَالَ الشَّيْخُ سَرِيٌّ السَّقَطِيُّ رحمَهُ اللّهُ تعَالَى: «السَّنَةُ شَجَرَةٌ، وَالشُّهُورُ فُرُوعُهَا، وَالأَيَّامُ أَغْصَانُهَا، وَالسَّاعَاتُ أَوْرَاقُهَا، وَأَنْفَاسُ الْعِبَادِ ثَمَرَتُهَا، فَشَهْرُ رَجَبٍ أَيَّامُ تَوْرِيقِهَا، وَشَعْبَانُ أَيَّامُ تَفْرِيعِهَا، وَرَمَضَانُ أَيَّامُ قَطْفِهَا، وَالْمُؤْمِنُونَ قُطَّافُهَا».

يا أمَّةَ القرآن: وإنَّ من أَوْكَدِ ما يَنْبَغِي للمُسْلِمِ أن يَحْرِصَ عليه في شَهْرِ شَعْبَانَ قَرَاءَةَ القرْآنِ آناءَ اللّيلِ وأَطْرَافَ النَّهَارِ، فقد نُقِلَ بالأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ عن العَارِفِينَ باللّهِ الاسْتِكْثَارُ من تِلَاوَةِ كتابِ اللّهِ تعَالَى؛ والمُدَاوَمَةُ على مدارَسَتِهِ في هذا الشَّهْرِ، قال سَلَمَةُ بنُ كُهَيْلٍ : «كَانَ يُقَالُ شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ القُرَّاءِ»، وكانَ حبيبُ بنُ أبِي ثَابِتٍ إذَا دَخَلَ شَعبَانُ قَالَ: «هذَا شَهْرُ القُرَّاءِ»، وكَانَ عَمْرُو بنُ قَيْسٍ المُلَائِيُّ إذَا دَخَلَ شَعْبَانُ أَغْلَقَ حَانُوتَهُ، وَتَفَرَّغَ لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ.

يا أمَّةَ الصِّيام: لَقَدْ ثَبَتَ في السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ الصَّحِيحَةِ مَحَبَّةُ رَسُولِ اللّهِ لِصِيَامِ شَهْرِ شَعْبَانَ، فعندَ أبِي دَاوُدَ عن عبدِ اللّهِ بنِ أبِي قَيْسٍ أنّه سَمِعَ عَائِشَةَ رضيَ اللّهُ عنهَا تقُولُ: «كَانَ أَحَبَّ الشُّهُورِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَصُومَهُ: شَعْبَانُ ثمَ يَصِلُهُ بِرَمَضَانَ».

وَرَوَى مسلِمٌ في صَحِيحِهِ عن أبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائشَةَ رضيَ اللّهُ عنهَا عن صِيَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَتْ: «كَانَ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ صَامَ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ قَدْ أَفْطَرَ، وَلَمْ أَرَهُ صَائِمًا مِنْ شَهْرٍ قَطُّ أَكْثَرَ مِنْ صِيَامِهِ مِنْ شَعْبَانَ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ، كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلًا».

قال النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللّهُ تعليقًا على هذَا الحَدِيثِ: « الثَّانِي ــ أي إلَّا قَليلًا- تَفْسِيرٌ للأَوَّلِ ــ أي كُلَّهُ ــ، وبَيَانُ أنَّ قَوْلَهَا «كُلَّهُ» أي غَالِبَهُ، وقيلَ: كَانَ يَصومُهُ كُلَّهُ في وَقْتٍ، وأَكثَرَهُ في سَنَةٍ أُخْرَى؛ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وُجُوبُهُ، وقيل: كَانَ يَصُومُ تَارَةً من أَوَّلِهِ، وتَارَةً منْ آخِرِهِ، وتَارَةً بينَهُمَا، قالَ: والحكمَةُ في تَخْصِيصِ شَعبَانَ بكَثرَةِ الصَّوْمِ أنّهُ تُرْفَعُ فيه الأَعمَالُ، وتقَدَّرُ فيه الآجَالُ» اهـ، فقد رَوَى أبو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، واللَّفظُ للنّسائِيِّ عن أسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عنهما قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائمٌ».

وقد قيلَ في عِلَّةِ صَوْمِ أَيَّامٍ من شَعْبَانَ ما جَاءَ في لَطَائِفِ المَعَارِفِ: «أنَّ صِيَامَهُ كالتَّمْرِينِ على صِيَامِ رَمَضَانَ، لِئَلَّا يَدْخُلَ في صَوْمِ رَمَضَانَ على مَشَقَّةٍ وكُلْفَةٍ، بل قَدْ تَمَرَّنَ على الصِّيَامِ واعْتَادَهُ، وَوَجَدَ بِصِيَامِ شَعْبَانَ قبلَهُ حَلَاوَةَ الصِّيامِ ولذَّتَهُ، فَيَدْخُلُ في صِيَامِ رَمَضَانَ بِقُوَّةٍ ونَشَاطٍ، ولمَّا كانَ شعْبَانُ كالمقَدِّمَةِ لِرمَضَانَ شُرِعَ فيه ما يُشْرَعُ في رَمَضَانَ من الصِّيَامِ وقِرَاءَةِ القُرْآنِ، ليَحصُلَ التَّأَهُّبُ لتَلَقِّي رَمَضَانَ، وَتَرتَاضَ النُّفُوسُ بذَلِكَ على طَاعَةِ الرَّحْمَنِ».

أيها المؤمنون الصّادقون: اسْتَقْبِلُوا شَهْرَ شَعْبَانَ بتَجْدِيدِ العَهْدِ مع اللّهِ سبحانَهُ وتعالَى، لبَدْءِ صَفْحَةٍ بَيْضَاءَ نَاصِعَةٍ، واسْتَكْثِرُوا من الصِّيَامِ وتِلَاوَةِ القُرْآنِ، وسَائِرِ الطَّاعَاتِ، وتَأَهَّبُوا لرَمَضَانَ شَهْرِ المَكْرُمَاتِ والأُعْطِيَاتِ.

مَضَى رَجَبٌ وَمَا أَحْسَنْتَ فِيــــــهِ … وَهَذَا شَهْرُ شَعْبَــــــــانَ الْمُبَـــــــــارَكْ

فَيَا مَنْ ضَيَّعَ الْأَوْقَاتَ جَهْــــــــــلًا … بِحُرْمَتِهَا أَفِـــــــقْ وَاحْـــــــــذَرْ بَوَارَكْ

فَسَوْفَ تُفَارِقُ اللَّذَّاتِ قَسْـــــــــــرًا … وَيُخْلِي الْمَوْتُ كَرْهًا مِنْـكَ دَارَكْ

تَدَارَكْ مَا اسْتَطَعْتَ مِنَ الْخَطَايَا … بِتَوْبَةِ مُخْلِص وَاجْعَلْ مَـــــــــــدَارَكْ

عَلَى طَلَبِ السَّلَامَةِ مِنْ جَحِيمٍ … فَخَيْرُ ذَوِي الْجَرَائِمِ مَنْ تَـــــــــدَارَكْ

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وأَسْتَغْفِرُ اللّهَ الحَلِيمَ العَظِيمَ لي ولَكُمْ، وَيَا فَوْزَالمُسْتَغْفِرِينَ أَستَغْفِرُ اللّهَ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للّهِ وَكَفَى، والصَّلَاةُ على النّبيِّ المُصْطَفَى، ومَنْ بِآثَارِهِ اقْتَفَى، وبعَهْدِ اللّهِ وَفَّى، وسَلَامٌ على عبَادِهِ الذينَ اصْطَفَى وبعدُ:

ومِمَّا وَرَدَ في فَضَائِلِ شَهْرِ شَعْبَانَ تَحْوِيلُ القِبْلَةِ من بَيْتِ المَقْدِسِ ــ فَكَّ اللّهُ أَسْرَهُ ــ إلى المَسْجِدِ الحَرَامِ ــ أَعْلَى اللّهُ قَدْرَهُ ــ على المشهورِ من أقْوَالِ أَهْلِ العِلْمِ، حيث حُوِّلَتْ في النِّصْفِ منْ شَعْبَانَ بعْدَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المدينَةَ المنوّرَةَ، فقد رَوَى أَصْحَابُ الصِّحَاحِ، واللَّفْظُ للبخَارِيِّ عن البَرَاءِ بن عَازِبٍ رضي اللّهُ عنهمَا قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، سِتَّةَ عَشَرَ أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 144]، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، وَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ، وَهُمُ اليَهُودُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا، قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ وَالمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: 142]، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَا صَلَّى، فَمَرَّ عَلَى قَوْمٍ مِنَ الْأَنْصَارِ فِي صَلاَةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَقَالَ: هُوَ يَشْهَدُ: أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ، فَتَحَرَّفَ القَوْمُ، حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ».

أمّةَ الصّفح والمغفرة: إنَّ اللّهَ تَعَالَى قد خَصَّ شَهْرَ شَعْبَانَ بليلَةِ المَغْفرَة والتَّسَامُحِ والصَّفْحِ، إنّها ليْلَةُ النّصْفِ منْ شَعْبَانَ، قد وَرَدَ في فَضْلهَا أَحَادِيثُ كثِيرَةٌ، تُنَوِّهُ بِقَدْرِهَا، وتَرْفَعُ مِنْ شَأْنِهَا، فقد ثَبَتَ في سُنَنِ ابْنِ مَاجَه عن أبي موسى الأَشْعَرِيِّ رضي اللّهُ عنهُ عن رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ»، وعند أحْمَدَ والتَّرْمِذِيِّ وابن مَاجَهْ ــ وإن كانَ في الحَدِيثِ مَقَالٌ، فلهُ شَوَاهِدُ من حَدِيثِ أبِي بَكْر الصِّدِّيقِ وأبِي مُوسَى ــ عن عَائِشَةَ رضي اللّهُ عنها قالت: «فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فَخَرَجْتُ، فَإِذَا هُوَ بِالبَقِيعِ، فَقَالَ: أَكُنْتِ تَخَافِينَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْكِ وَرَسُولُهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي ظَنَنْتُ أَنَّكَ أَتَيْتَ بَعْضَ نِسَائِكَ، فَقَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْزِلُ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَيَغْفِرُ لِأَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ شَعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ».

وهذا سَيِّدُنَا عَطاءُ بنُ يَسَارٍ رضي اللّه عنهُ ينَوِّهُ بقَدْرِ هذهِ الليلَةِ الغرَّاءِ فيقُولُ: «مَا مِنْ لَيْلَةٍ بَعدَ لَيْلَةِ القَدْرِ أَفْضَلَ مِنْ لَيْلَةِ النِّصْفِ منْ شَعْبَانَ، يَتَنَزَّلُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَغْفِرُ لِعِبَادِهِ كُلِّهِمْ، إلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاجِرٍ أَوْ قَاطِعِ رَحِمٍ».

فَقُمْ لَيْلَةَ النِّصْفِ الشَّــــــــــــرِيفِ مُصَــلِّـيًا … فَأَشْرَفُ هَذَا الشَّهْرِ لَيْلَةُ نِصْفِــــهِ

فَكَمْ مِنْ فَتًى قَدْ بَاتَ فِي النِّصْفِ آمِنًا … وَقَدْ نُسِخَتْ فِيهِ صَحِيفَةُ حَتْفِــــهِ

فَبَادِرْ بِفعْلِ الْخَيْــــــــــــرِ قَبْلَ انْقضَائِــــــــهِ … وَحَاذِرْ هُجُومَ الْمَوْتِ فِيهِ بِصَرْفهِ

وَصُمْ يَوْمَهَا لِلَّهِ وَأَحْسِــــــــــــنْ رَجَــــــاءَهُ … لِتَظْفَرَ عِنْدَ الْكَرْبِ منْهُ بِلُطْفِــــــــــــهِ

أمّة الإسلام: هذه نَسَمَاتُ شَعْبَانَ الخَيْرِ تَنْزِلُ بِسَاحَتِكُمْ، وذِي بَرَكَاتُ أَيَّامِهِ ولَيَالِيهِ تَطْرُقُ بَابَكُمْ، فَتَعَرَّضُوا لنَفَحَاتِهِ، واعْقِدُوا العَزْمَ الأَكِيدَ على إِصْلَاحِ مَا اعْوَجَّ في سَالِفِ أَيَّامِكُمْ، وَطَلِّقوا أَحْقَادَكُمْ، وتَجَاوَزُوا خِلَافَاتِكُمْ، وَطَهِّرُوا أَفْئِدَتَكُمْ، وَاشْكُرُوا اللَّهَ على نِعَمِهِ الوَافِرَةِ التي حَبَاكُمْ بها، وإِنَّ لَنَا مَوْعِدًا مُبَارَكًا في النِّصْفِ من شَعْبَانَ مع حَفْلٍ إيمَانِيٍّ بَهِيج، نَسْتَذْكِرُ فيه افْتتَاحَ جَامِعِ الجَزَائِرِ بصِفَةٍ رَسْمِيَّةٍ، وَنَسْتَعْرضُ فيه أَهَمَّ مَا تَمَّ إنْجَازُهُ وتَحْقِيقُهُ في عَامنَا المنْصَرمِ، فكونوا في المَوْعِدِ، وأَقْبلوا على جَامعكُمْ بكلِّ حبٍّ، وانْهَلُوا من خيْرَاتِه، واقْتَبِسُوا من أَنْوَارِهِ.

عبادَ اللّهِ: إنّي دَاعٍ فَأَمِّنُوا:

اللّهمّ لا تَدَعْ لنا في هذا المَقَام ذَنْبًا إلّا غفرْتَهُ، ولا هَمًّا إلا فَرَّجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مريضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا عَدَوًّا إلّا خَذَلْتَهُ وقَصَمْتَهُ، اللّهمّ انْصُرْ مَن نَصَرَ الدّينَ، واخْذُلْ من خَذَلَ المسلمين.

اللّهمّ خُذْ بِيَدِ إخوَانِنَا الفلسطينيين إلى البِرِّ والتَّقَوى، اللّهمّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاسْتُرْ عَارِيَهُمْ، وأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وتَقَبَّلْ شَهِيدَهُمْ، وانْصُرْهُمْ على عَدُوِّك وعَدُوِّهِمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.

اللهُمَّ تقبَّلْ شهدَاءَنَا كما تتقَبَّلُ عبادَكَ الصَّالحينَ، اللهُمَّ ارحمْ شهدَاءَ الَأْقصَى المبارَكِ، اللهُمَّ ارحمْ شهداء غزَّةَ العِزَّةِ، اللهُمَّ ارحمْ شهدَاءَ فلسْطِينَ الأبِيَّةِ يا ربَّ العَالمينَ.

اللّهمّ إنّا نَسْألُكَ الإصلَاحَ في الوَلَدِ، والعَافِيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ.

اللّهمّ احفَظْ حَاكِمَ البلَادِ بِحفْظِكَ، واكْلَأْهُ بِكَلَاءَتِكَ، وأَيِّدْهُ بتَأيِيدِكَ، وارزُقْهُ بِطَانَةَ الخَيْرِ التي تأْخُذُ بِنَاصيَتِهِ للبِرِّ والتَّقَوى.

رَبَّنَا آتِنَا في الدّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّار، وأَدْخِلْنَا الجَنَّةَ مع الأبرارِ.

وسبحانَكَ اللّهمّ وبحمدكَ، أشهَدُ أن لا إلَهَ إلّا أنت، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.