الخطبة الأولى
الحمدُ للّهِ الذي أكرمَنَا بِنِعَمٍ تَملَأُ الآفَاقَ، وآلَاء طَوَّقَتْ الأعْنَاقَ، الذي هَدَانَا بالإسْلَامِ لأحْسَنِ الأخْلَاقِ، ومَنَّ علينا بخَيْرِ نَبِيٍّ على الإطْلَاقِ، سيِّدِنَا المبعُوثِ مُتَمِّمًا لمَكَارمِ الأخلَاقِ، صَلَّى اللّهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن تبِعَهُمْ بإحسَانٍ إلى يَوْمِ التَّلَاقِ.
وأوصيكُمْ ــ مَعَاشِرَ المؤمنين ــ بِتَقْوَى اللّهِ تعالى، فهي وصيَّتُهُ سبحانَهُ للأوّلين والآخرين، قال عَزَّ مِنْ قَائِلٍ سبحانه: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) [النساء: 130].
أيها المؤمنون: فإنّ من أَعْظَمِ ما جاءت به رِسَالَةُ الإِسْلَامِ الغَرَّاءُ هو تزكِيَةُ نُفُوسِ أَتْبَاعِ النبِّيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ وإصلَاحُ بَاطنِهِمْ وظَاهِرِهِمْ، وقد قال اللّهُ تعالى: (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [آل عمران: 164].
وَمَن تَأَمَّلَ في القرآنِ الكريمِ وفي سُنَّةِ سيِّدِ المرسلين وسيرَتِهِ العَطرَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ فإنّه سيدرِكُ أنّ هذا الدِّينَ دِينُ قِيَمٍ سَامِيَةٍ، وأخلَاقٍ عَالِيَةٍ، كما سَيَلمَسُ عُلُوَّ أخلَاقِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وحُسْنَ تَعَامُلِهِ مع النَّاسِ كُلِّهِم، وحُسنَ تَأديبِهِ لأصحَابِهِ ولأُمَّتِهِ، فهو بحَقّ جَاءَ مُتَمِّماً لكُلِّ خُلُقٍ فَاضِلٍ حَسَنٍ، فقد روى أحمد والبخاري في الأدب والبيهقي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ».
فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْـــــــــــــــــمٍ وَلَا كَـرَمِ
وَكُلُهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ مُلْتَمِــــسٌ غَرْفًا مِنَ الْبَحْرِ أَوْ رَشْفًا مِنَ الدِّيَمِ
حين سُئِلَتْ أُمُّ المؤمنين عائشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عن خُلُقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أجابت: «كَانَ خُلُقُهُ القُرآنُ»، وحين هَالَهُ ما رَآهُ في غَارِ حِرَاءَ في أَوَّل نُزُولِ الوَحْيِ وفَزِعَ فَزَعًا شَدِيدًا؛ هَرَعَ إلى أُمِّ المؤمنين خديجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَالَ: «لقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي»، لم تَجِدْ ما تواسِيِه بِهِ أفْضَلَ من تذكِيرِهِ ببعضِ صِفَاتِهِ وأخلَاقِهِ فَقَالَتْ لَه: «كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ علَى نَوَائِبِ الحَقِّ».
عبادَ اللّه: إنّ هذه الصّفَاتِ العظيمَةَ، والخِلَالَ الكرِيمَةَ كانت جزءًا يَسِيرًا من أخلَاقِ نَبِيِّنَا وقدوتِنَا محمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولَعَلَّ هذا كان من أَعظَمِ الأسرَارِ التي جَذَبَتْ القُلُوبَ والأَرْوَاحَ إليه، حتى خَاطَبَهُ رَبُّهُ بقولِهِ: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) [آل عمران: 159].
ولأجْلِ ذلك كانت أَكْثَرُ وَصَايَاهُ لأصْحَابِهِ ولأمَّتِهِ؛ التَحَلِّي بكرِيمِ الأخْلَاقِ، وجَميل الطبَاع، فعن أبي هريرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ منْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ»، وحين عَرَّفَ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المسلِمَ قال: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ»، ولَمَّا بَيَّنَ حقيقَةَ كَمَالِ الإيمَانِ ليقتَدِيَ النّاسُ بأهلها وأصحابِهِا قال: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا».
وعلى هذا فقد ارتَقَى صحابَةُ النَّبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مَدَارِجَ العُلَا ومَسَالِكَ الهُدَى، وأَيْقَنُوا أنّ فَضَائِلَ الأخَلَاقِ كانت فارِقا أساسا بين الإسلَامِ وبين ما كانوا فيه من ضَلَالٍ مُبِينٍ، فها هو سيدنا جَعْفَرُ بنُ أبِى طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حين وقَف أَمَامَ النَجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ ليبيّن له شَيْئًا من قِيَمِ الإسلَامِ النبيلَةِ وأخلَاقِهِ الكَرِيمَةِ ورِسَالَتِهِ السَّمْحَاء، يقول: «أَيُّهَا الْمَلِكُ، كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأَصْنَامَ، وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الْجِوَارَ، وَيَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ، وَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْنَا رَسُولا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وَصِدْقَهُ وَأَمَانَتَهُ وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لِنُوَحِّدَهُ وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الْحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الْجِوَارِ، وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ، وَنَهَانَا عَنِ الْفُحْشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالِ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنَّ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ».
إنّها حَقِيقَةُ الإسْلَامِ العَظِيمِ الذي يَدْعُو إلى بَسْطِ الوَجْهِ وَحُسْنِ الخُلُقِ والسَّمَاحَةِ والأُلْفَةِ والوِئَامِ في أَرْقَى الصُّوَرِ وأَعْلَاهَا، فَالمُؤْمِنُ إِلْفٌ مَأْلُوفٌ، والنَّبِيُّ الكريم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «الْمُؤْمِنُ يَأْلَفُ وَيُؤْلَفُ ولَا خَيْرَ فيمَنْ لَا يَأْلَفُ وَلَا يُؤْلَفُ»، وَخَيْرُ النَّاسِ؛ أحبهم إلى الناس، وَأَحَبُّهُمْ إلى اللّهِ تعالى هم أنفَعُهُمْ للنّاسِ، كما قال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ أَنْفَعَهُمْ لِلنَّاسِ»، وقال: «خَيْرُ النَّاسِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ»، ومن أَفضَلِ الخِصَالِ حُسْنُ القَوْلِ مع النّاسِ، إذ يَقُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عليه: «الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ».
بل إنّ الإسْلَامَ – يا عبادَ اللَّهِ – قد نَقَلَ أَتْبَاعَهُ إلى بُعْدٍ آخَرَ حين اعْتَنَى بِجَبْرِ الخَوَاطِرِ؛ ونَبَّهَ عَلى مُرَاعَاةِ المَشَاعِرِ، وأَشَارَ إلى كَوْنِ الأَذَى المَعْنَوِيِّ قد يَفُوقُ الأَذَى الحِسِّيِّ، بل قد يكُونُ أَشَدَّ وَطْأَةً من ضَرْبِ السَّيْفِ وطَعْنِ الرِّمَاحِ، ففي صحيحٍ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً، فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا، فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»، ورَوَى أبو دَاوُدَ والنَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ»، ولنتدبَّر معاشر المؤمنين هذا المَوقفَ النبي العظيم في جبر الخواطر؛ فقد جَاءَ عند أَحْمَدَ وابنِ حِبَّانَ وغيرِهِمَا عن ابن مسعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّه كَانَ عَلَى شَجَرَةٍ فَهَبَّتْ الرّيح فَكَشَفَت سَاقَيْهِ فَضَحِكَ القَوْمُ (لأنّهم رأوها دقيقَةً نحيلَةً)، فَسألهم النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: دِقَّةُ سَاقَيْهِ، قَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مُنْ أُحُدٍ»، أي من جبل أحد العظيم
أيّها المؤمنون والمؤمنات: هَذَا البِشْرُ، وتلكُمْ الطَّلَاقَةُ، وهذه الدَّمَاثَةُ؛ لم يَقْصُرِ الإسْلَامُ نَشْرَهَا بين المسلمين فَقَط، بل تَعَدَّاهُمْ إلى غيرهِمْ مِنْ أَهْلِ الدِّيَانَاتِ الأُخْرَى؛ ما لم يَكُونُوا مُحَارِبِينَ أو مُؤْذِينَ للمسلمين، قال اللّهُ تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) [الممتحنة: 8]، فَضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْوَعَ الأَمْثلَةِ للتَّعَايُشِ السِّلْمِيِّ منذ حُلُولِهِ بِطَيْبَةَ الطَّيِّبَةِ وذلك حين أَرْسَى بِدُسْتُورِ المَدِينَةِ حُقُوقَ غَيْرِ المسلمين بِصُورَةٍ لم يَعْرِف التّارِيخُ لها نَظِيرًا وَلَا مَثِيلًا، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ ذَبَحَ يوما شَاةً فَقَالَ: أَهْدَيْتُمْ لِجَارِي الْيَهُودِيِّ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ».
أقولُ قَوْلِي هذا وأستغفِرُ اللّهَ لي ولَكُمْ من كُلِّ ذَنْبٍ فاستغفرُوهُ، إنّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ.
الخطبة الثانية
الحمدُ للّهِ على إحسانِهِ، والشُّكْرُ له على توفِيقِهِ وامتنانِهِ، وأشهَدُ أن لا إِلَهَ إلَّا اللّهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ تعظِيمًا لِشَانِهِ، وأشهَدُ أنّ سَيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ الدَّاعِي إلى رِضوَانِهِ، صلَّى اللَّهُ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ وأزواجِهِ وذريّتِهِ وإخوانِهِ، ألا واتَّقُوا اللّهَ عبَادَ اللّهِ حَقَّ التَّقوَى، وَرَاقِبُوهُ في السِّرِّ والنَّجْوَى، واعلَمُوا رحمَكُمُ اللّهُ أنّنا أَحْوَجُ ما نَكُونُ اليَوْمَ إلى النَّهْلِ من أَخْلَاقِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ إن أَرَدْنَا السَّعَادَةَ في الدُّنْيَا، والنَّجَاةَ يَوْمَ القِيَامَةِ، ففي الأَدَبِ المفرَدِ للإمام البخارِيِّ رحمه الله عن أَبى هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ فُلانَةً تَقُومُ اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتَفْعَلُ، وَتَصَّدَّقُ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَالُوا: وَفُلَانَةٌ تُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ، (أي لا تَزِيدُ على الفرائِضِ)، وَتَصَّدَّقُ بِأَثْوَارٍ، (والأثوَارُ هي قِطع اللَّبَنِ المجفَّفِ، أي تتصدَّقُ بشيء لا قيمَةَ له)، وَلَا تُؤْذِي أَحَدًا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هِيَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ».
وروى التَّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ شَيْءٍ يُوضَعُ فِي الْمِيزَانِ أَثْقَلُ مِنْ حُسْنِ الْخُلُقِ، وَإِنَّ صَاحِبَ حُسْنِ الْخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صَاحِبِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ».
أيّها المؤمنون والمؤمنات: هذه هي أخلَاقُ الإسلَامِ، وهذه هي صِفَاتُ المسلمين، قُلُوبٌ طاهرَةٌ نَقِيَّةٌ، وأخلَاقٌ فاضِلَةٌ زَكِيَّةٌ، وسَجَايَا وشِيَمٌ مرضِيَّةٌ، ونُفُوسٌ مطمَئِنَّةُ كريمَةٌ، وهِمَمٌ عاليةٌ كبيرةٌ، تجعل المجتمَعَ صالِحًا كريمًا، ينعَمُ أهلُهُ بدِفْءِ الأخوَّةِ والمحبَّةِ الصّادِقَةِ، ويعيشُ أفرادُهُ في ظِلَالِ الطّمأنينَةِ والسّكينَةِ، كما قال اللّهُ جَلَّ جَلَالُهُ: (فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103]، وقال: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً) [الأنبياء: 92].
وكما وَصَفَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قولِهِ: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى».
وعودا على بدء، وردا للأعجاز على الصدور، فإننا نذكر أنفسنا بالحديث المزبور، الذي قاله من جاءنا بهذا النور صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأَبِي هو وأُمِّي قال: «إِنَّكُمْ لَنْ تَسَعُوا النَّاسَ بِأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَسَعُهُمْ منْكُمْ بَسْطُ الْوَجْهِ وَحُسْنُ الْخُلُقِ»، فَانظُرُوا رحمَكُمُ اللّهُ إلى هذه الوَصيَّةِ الغالية من رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فاعْمَلُوا بها، لتَسْعَدُوا في دُنْيَاكُمْ، وتَضْمَنُوا النَّجَاةَ في أُخْرَاكُمْ، ثم صَلُّوا رَحمَكُمْ اللّهُ على من أَمَرَكُمْ اللّهُ بالصَّلَاةِ والسَّلَامِ عليه فَقَالَ: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].
اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ على إِبْرَاهِيمَ وعلى آلِ إِبْرَاهِيمَ، وبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وعَلَى إبْرَاهيمَ في العَالَمِينَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
اللَّهُمَّ إنّا نَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رحمَتكَ، وعَزَائِمَ مغْفرَتِكَ، والسَّلَامَةَ من كُلِّ إِثِم، والغَنيمَةَ من كُلِّ بر، والفوزَ بالجَنَّةِ، والنَّجَاةَ من النَّارِ، يا سَمِيعَ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لأمَّةِ الاسْلَامِ أَمْرَ رُشْد يَعِز فيه أهْلُ طَاعَتكَ، ويُهْدَى فيه أَهْلُ مَعْصِيَتِكَ، ويُؤْمَرُ فيه بالمَعْرُوفِ، ويُنْهَى فيه عن المُنْكَرِ، يا سَمِيعَ الدُّعَاءِ.
اللَّهُمَّ لا تَدَعْ لنا في مَقَامِنَا هذا ذَنْبًا إلّا غَفَرتَهُ، ولا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مَرِيضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا مبْتَلًى إلّا عَافَيْتَهُ.
اللَّهُمَّ أَصْلحْ لنا دينَنَا الذي هو عِصْمَةُ أمْرِنَا، وأصْلِحْ لنا دُنْيَانَا التي فيها مَعَاشُنَا، وأَصْلِحْ لنا آخرَتَنَا التي إليها مَعَادُنَا، واجْعَلْ الحَيَاةَ زيَادَة لنا في كُلِّ خَيْرٍ، واجْعَلْ المَوْتَ رَاحَة لنا من كُلِّ شَرٍّ، برحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ الإسْلَامَ وأَعزَّ المسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ الاسْلَامَ وأَعزَّ المسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ انْصُرْ الإسْلَامَ وأَعزَّ المسلِمِينَ.
عبادَ اللّهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].
فاذكُرُوا اللّهَ العَظِيمَ الجَلِيلَ يذْكُرْكُمْ واشْكُرُوهُ على نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، ولَذِكْرُ اللّهِ أكْبَرُ واللّهُ يعلَمُ ما تَصْنَعُونَ، ويَغْفِرُ اللّهُ لي ولكُمْ وهو الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
للتصفح والتحميل:


