الخطبة الأولى
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاوَاتِ العُلَى، فَأَرَاهُ مِنْ آيَاتِهِ الكُبْرَى؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الْقَائِلُ سُبْحَانَهُ: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ لَقَدْ رَأَىٰ مِنَ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ﴾ [النجم: 17 ــ 18]؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، النَّبِيُّ الْمُصْطَفَى، وَالرَّسُولُ الْمُجْتَبَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ؛ أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنَنٍ عَظِيمَةٍ وَمُعْجِزَاتٍ بَاهِرَةٍ، فَخَصَّهُ بِإِنْزَالِ أَعْظَمِ كُتُبِهِ، وَجَعَلَهُ خَاتَمَ رُسُلِهِ، وَجعلَ شَرِيعَتَهُ أَتَمَّ الشَّرَائِعِ وَأَشْمَلَهَا، وَأُمَّتَهُ خَيْرَ الْأُمَمِ، وَأَظْهَرَ دِينَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ. كَمَا أَيَّدَهُ بِالْمُعْجِزَاتِ الَّتِي مِنْ أَعْظَمِهَا تِلْكَ الآيَةُ الكُبْرَى الَّتِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهَا بَيْنَ أَهْلِ الحَقِّ وَالإِيمَانِ، وَبَيْنَ أَهْلِ الكُفْرِ وَالطُّغْيَانِ، وَهِيَ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، كَمَا صَرَّحَ بهَا القرآنُ في قولِهِ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الَاقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنَ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الإسراء: 1]، وقولِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: 12 ــ 18].
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: لَقَدْ جَاءَتْ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ فِي تَوْقِيتٍ حَسَّاسٍ وَصَعْبٍ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ تَزَامَنَتْ مَعَ مَا عُرِفَ بِـ «عَامِ الحُزْنِ»، الَّذِي لَمْ يَلْتَحِقْ فِيهِ بِالْإِسْلَامِ عَنَاصِرُ جَدِيدَةٌ، وَهُوَ كَذَلِكَ الْعَامُ الَّذِي فَقَدَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَدَهُ الدَّاخِلِيَّ، وَهِيَ زَوْجَتُهُ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، الَّتِي كَانَتْ نِعْمَ الزَّوْجَةُ وَالسَّنَدُ وَالمُعِينُ فِي دَعْوَتِهِ، وَفَقَدَ سَنَدَهُ الخَارِجِيَّ، وَهُوَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، الَّذِي كَانَ يَحْمِيهِ وَيُدَافِعُ عَنْهُ أَمَامَ كَيْدِ قُرَيْشَ.
أَيُّهَا الْمُوَحِّدُونَ: لَقَدْ زَادَتْ هَذِهِ المَصَائِبُ مِنْ أَعْبَاءِ الدَّعْوَةِ، وَبَلَغَ الْأَذَى بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّهُ، خَاصَّةً بَعْدَمَا لَقِيَ مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ الرَّفْضَ وَالإِهَانَةَ، حَيْثُ أَغْرَوْا بِهِ السُّفَهَاءَ لِيَرْمُوهُ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَدْمَوْا قَدَمَيْهِ؛ وَفِي خِضَمِّ هَذَا الأَلَمِ وَالِابْتِلَاءِ، شَاءَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْ نَبِيِّهِ، وَأَنْ يُجَدِّدَ يَقِينَهُ بِوَعْدِهِ الحَقِّ، فَأَكْرَمَهُ بِرِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، وَكَأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ المُصْطَفَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا كَانَ أَهْلُ الأَرْضِ طَرَدُوكَ، فَرَبُّ السَّمَاءِ يَدْعُوكَ.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ: جَاءَتْ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، وَمَا تَحْمِلُ مِنْ آيَاتٍ، لِتَكُونَ تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَثْبِيتًا لِقَلْبِهِ. قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يُثَبِّتُ قُلُوبَ أَنْبِيَائِهِ بِمَا يُرِيهِمْ مِنَ الآيَاتِ، وَيُذَكِّرُهُمْ بِمَا جَرَى لِمَنْ سَبَقَهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، لِيَقْوَى يَقِينُهُمْ وَيَشْتَدَّ عَزْمُهُمْ»، وَهَذَا مَا حَدَثَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، حَيْثُ أَرَاهُ اللَّهُ مِنْ عَظِيمِ مَلَكُوتِهِ، وَأَطْلَعَهُ عَلَى مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ.
بَدَأَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ العَظِيمَةُ حِينَ جَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلًا، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ، وَأَخَذَهُ عَلَى البُرَاقِ، وَهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ سَرِيعَةٌ، لِيَنْطَلِقَ بِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، هُنَاكَ فِي المَسْجِدِ الأَقْصَى، جَمَعَ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأَنْبِيَاءَ وَالمُرْسَلِينَ جَمِيعًا، فَأَمَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ، إِظْهَارًا لِفَضْلِهِ عَلَيْهِمْ، وَتَأْكِيدًا عَلَى مَكَانَتِهِ كَإِمَامٍ لَهُمْ وَخَاتِمِ الْمُرْسَلِينَ، وَإِشَارَةً إِلَى وَحْدَةِ الرِّسَالَاتِ وَرَبْطًا بَيْنَ مَكَّةَ وَالقُدْسِ كَرَمْزَيْنِ لِعَقِيدَةِ التَّوْحِيدِ.
بَعْدَ ذَلِكَ ــ أَيُّهَا الْمُصَدِّقُونَ ــ بَدَأَتْ رِحْلَةُ الْعُرُوجِ إِلَى السَّمَاوَاتِ الْعُلَى، حَيْثُ صَعِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ سَمَاءٍ إِلَى سَمَاءٍ، فِي كُلِّ سَمَاءٍ كَانَ يَلْتَقِي نَبِيًّا مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيُرَحِّبُ بِهِ، فَالْتَقَى فِي السَّمَاءِ الأُولَى بِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الثَّانِيَةِ بِعِيسَى وَيَحْيَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، وفِي الثَّالِثَةِ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفِي الرَّابِعَةِ بِإِدْرِيسَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفِي الخَامِسَةِ بِهَارُونَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفِي السَّادِسَةِ بِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وفِي السَّابِعَةِ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى البَيْتِ المَعْمُورِ، الَّذِي يَطُوفُ حَوْلَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ لَا يَعُودُونَ إِلَيْهِ.
ثُمَّ ارْتَقَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، حَيْثُ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَى، وَهُنَاكَ كَلَّمَهُ اللَّهُ وَأَوْحَى إِلَيْهِ مَا شَاءَ، وَفَرَضَ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّتِهِ خَمْسِينَ صَلَاةً، ثُمَّ خَفَّفَهَا رَحْمَةً بِأُمَّتِهِ فَجَعَلَهَا خَمْسَ الصَّلَوَاتِ؛ وَرَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الرِّحْلَةِ مَشَاهِدَ عَظِيمَةً، مِنْهَا نَعِيمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَعَذَابُ أَهْلِ النَّارِ، وَأَحْوَالُ المُجْرِمِينَ وَالطَّائِعِينَ، وَكَانَتْ هَذِهِ المَشَاهِدُ عِبْرَةً لَهُ وَلِأُمَّتِهِ، وَزَادًا يُقَوِّي إِيمَانَ المُسْلِمِينَ وَيَبْعَثُ الأَمَلَ فِي نُفُوسِهِمْ.
أَيُّهَا الْمُتَّبِعُونَ: لَقَدْ كَانَ لِهَذِهِ الرِّحْلَةِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي نَفْسِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ ازْدَادَتْ ثِقَتُهُ بِوَعْدِ اللَّهِ، وَاسْتَبْشَرَ بِمَا سَيَأْتِي مِنْ نَصْرٍ وَتَمْكِينٍ، وَتَجَلَّى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عِنْدَمَا عَرَضَ دَعْوَتَهُ عَلَى القَبَائِلِ بَعْدَ رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ: «مَنْ يُؤْوِينِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؟ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي»، فَكَانَتْ بَيْعَةُ الأَنْصَارِ الِاسْتِجَابَةَ العَمَلِيَّةَ لِهَذَا النِّدَاءِ، فَقَدَّمُوا لِلنَّبِيِّ الْمَأْوَى وَالنُّصْرَةَ لِتَحْقِيقِ مَهَمَّتِهِ فِي تَبْلِيغِ رِسَالَةِ الإِسْلَامِ،وَعَلَيْهِ لَمْ تَكُنْ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ تَخْفِيفًا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَسْبُ، بَلْ كَانَتْ إِعْدَادًا لَهُ وَلِلْأُمَّةِ بِأَكْمَلِهَا لِتَحَمُّلِ الأَمَانَةِ وَالمُضِيِّ قُدُمًا رَغْمَ الأَذَى وَالتَّحَدِّيَاتِ، قَالَ الإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ زَادُ الْمَعَادِ: «إِنَّ الإِسْرَاءَ وَالمِعْرَاجَ كَانَا تَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَفْعًا لِرُوحِهِ، وَتَعْرِيفًا لَهُ بِعِظَمِ مَكَانَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، لِيَقْوَى عَلَى تَحَمُّلِ الْأَعْبَاءِ الَّتِي تَنْتَظِرُهُ فِي مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ»، وَهَكَذَا كَانَتْ هَذِهِ الرِّحْلَةُ المُبَارَكَةُ رِسَالَةً لِكُلِّ مُسْلِمٍ، أَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، وَأَنَّ الِابْتِلَاءَ مُقَدِّمَةٌ لِلتَّمْكِينِ، وَأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ لَا يَتَخَلَّفُ لِمَنْ صَبَرَ وَثَبَتَ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُحَرِّرَ أَقْصَانَا، وَأَنْ يَنْصُرَ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ وَسَائِرَ بِقَاعِ الْأَرْضِ، وَأَنْ يَجْمَعَنَا عَلَى الحَقِّ، وَيُوَحِّدَ صُفُوفَنَا، إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.
بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتِ، الحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، حَمْدًا كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، نَشْهَدُ أَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الأَمَانَةَ، وَنَصَحَ لِلأُمَّةِ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ والمُسْلِمَاتُ: إِنَّ ذِكْرَى الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ تَحْمِلُ فِي طَيَّاتِهَا دُرُوسًا عَظِيمَةً، نَسْتَحْضِرُهَا فِي وَاقِعِنَا المُعَاصِرِ، خَاصَّةً وَنَحْنُ نَشْهَدُ صُمُودَ شَعْبِنَا الأَبِيِّ فِي غَزَّةَ العِزَّةِ، هَذَا الشَّعْبُ الَّذِي يُوَاجِهُ المِحَنَ وَالعُدْوَانَ بِثَبَاتٍ وَإِيمَانٍ، هَذَا الشَّعْبُ الَّذِي عَلَّمَ العَالَمَ أَعْظَمَ مَعَانِي الصَّبْرِ وَالتَّوَكُّلِ، وَكَمَا كَانَتْ رِحْلَةُ الإِسْرَاءِ تَثْبِيتًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَا لَاقَاهُ مِنْ أَذًى وَابْتِلَاءٍ، فَإِنَّ صُمُودَ أَهْلِ غَزَّةَ اليَوْمَ يُمَثِّلُ صُورَةً مُشْرِقَةً لِلثَّبَاتِ الَّذِي يَقُودُ إِلَى النَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ بِإِذْنِ اللَّهِ، فَرَغْمَ الحِصَارِ وَالدَّمَارِ وَسُقُوطِ عَشَرَاتِ الآلَافِ مِنَ الشُّهَدَاءِ، هَا هِيَ غَزَّةُ تَقِفُ شَامِخَةً عَلَى أَحَدِ أَهَمِّ ثُغُورِ الإِسْلَامِ، مُدَافِعَةً عَنْ شَرَفِ الأُمَّةِ وَعَنْ قَضِيَّةِ المَسْجِدِ الأَقْصَى، هَذَا المَسْجِدُ الَّذِي اخْتَارَهُ اللَّهُ مِحْوَرًا فِي رِحْلَةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ، لِيَبْقَى شَاهِدًا خَالِدًا عَلَى ارْتِبَاطِ الأُمَّةِ بِعَقِيدَتِهَا وَقَضَايَاهَا المَصِيرِيَّةِ.
وللّهِ دَرُّ القَائِلِ:
وَلَرُبَّ نَازِلَةٍ يَضيقُ لَـــــــــــهَا الْفَتَــى … ذَرْعًا وَعِنْدَ اللَّهِ مِنْهَا الْمَخْـرَجُ
ضَاقَتْ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَتْ حَلَقَاتُهَا … فُرِجَتْ وَكُنْتُ أَظُنُّهَا لَا تُفْرَجُ
أَيُّهَا المُنْتَصِرُونَ: إِنَّ انْتِصَارَ أَهْلِ غَزَّةَ اليَوْمَ هُوَ رِسَالَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ: أَنَّ النَّصْرَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّ الثَّبَاتَ عَلَى الحَقِّ مَهْمَا كَانَ الثَّمَنُ هُوَ طَرِيقُ العِزَّةِ، أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [مُحَمَّد: 7]، وَهَا نَحْنُ نَرَى كَيْفَ أَذَلَّ اللَّهُ المُحْتَلَّ الغَاشِمَ، وَجَعَلَ أَهْلَ غَزَّةَ رَغْمَ قِلَّةِ العَدَدِ وَالعُدَّةِ نَمُوذَجًا لِلشُّمُوخِ وَالعِزَّةِ وَالكَرَامَةِ.
أَيُّهَا الإِخْوَةُ المُؤْمِنُونَ، أَيَّتُهَا الأخَوَاتُ المُؤْمِنَاتُ: إِنَّ مَا يَجْمَعُ بَيْنَ ذِكْرَى الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ وَانْتِصَارِ غَزَّةَ هُوَ اليَقِينُ بِوَعْدِ اللَّهِ، فَكَمَا كَانَ الإِسْرَاءُ تَذْكِيرًا بِأَنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، فَإِنَّ صُمُودَ غَزَّةَ يُذَكِّرُنَا بأَنَّ النَّصْرَ لَا يَأْتِي إِلَّا بِالصَّبْرِ وَالإِيمَانِ، مِصْدَاقً لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: 49]، وَكَمَا أَنَّ المَسْجِدَ الأَقْصَى كَانَ وِجْهَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِحْلَتِهِ المُبَارَكَةِ، فَإِنَّ غَزَّةَ اليَوْمَ هِيَ وِجْهَةُ قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ، الَّذِينَ يَرَوْنَ فِيهَا رَمْزًا لِلصُّمُودِ وَالكَرَامَةِ وَالعِزَّةِ وَالإِبَاءِ.
فَلْنَسْتَمِدَّ مِنْ ذِكْرَى الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ طَاقَةَ الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ، وَلْنُوَاصِلِ الدُّعَاءَ وَالعَمَلَ لِنُصْرَةِ أَهْلِنَا فِي غَزَّةَ وَكُلِّ فِلَسْطِينِ.
إِنَّ هَذَا الوَاجِبَ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَضَامُنٍ إِنْسَانِيٍّ، بَلْ هُوَ جُزْءٌ مِنْ عَقِيدَتِنَا الَّتِي تَرْبِطُ بَيْنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَالمَسْجِدِ الأَقْصَى، وَبَيْنَ مَكَّةَ وَالقُدْسِ، وَبَيْنَ المَاضِي وَالحَاضِرِ.
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ، وَكُونُوا عَلَى يَقِينٍ بِأَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ، وَأَنَّ الفَرَجَ قَرِيبٌ، وَأَنَّ مَعَ الصَّبْرِ يَأْتِي النَّصْرُ، وَمَعَ الثَّبَاتِ يَأْتِي التَّمْكِينُ.
نَسْأَلُ اللَّهَ العَظِيمَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الحَقِّ، وَأَنْ يَنْصُرَ إِخْوَانَنَا فِي غَزَّةَ وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ، وَأَنْ يُعَجِّلَ بِتَحْرِيرِ المَسْجِدِ الأَقْصَى مِنْ رِجْسِ المُحْتَلِّينَ. إِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.
اللَّهُمَّ انْصُرْ عِبَادَكَ المُجَاهِدِينَ فِي غَزَّةَ وَفِي كُلِّ مَكَانٍ، اللَّهُمَّ ثَبِّتْ أَقْدَامَهُمْ، وَقَوِّ عَزَائِمَهُمْ، وَارْبُطْ عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَارْزُقْهُمُ الصَّبْرَ وَالنَّصْرَ المُبِين.
اللَّهُمَّ اشْفِ جَرْحَاهُمْ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَهُمْ، وَتَقَبَّلْهُمْ عِنْدَكَ فِي عِلِّيِّينَ، وَاجْعَلْ لَهُمْ مِنْ لَدُنْكَ عِوَضًا وَخَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاكْتُبْ لَهُمْ أَجْرَ الصَّابِرِينَ المُحْتَسِبِينَ.
اللَّهُمَّ اجْمَعْ كَلِمَةَ المُسْلِمِينَ عَلَى الحَقِّ، وَوَحِّدْ صُفُوفَهُمْ، وَاجْعَلْ كَيْدَ أَعْدَائِهِمْ فِي نُحُورِهِمْ.
اللَّهُمَّ ارْزُقْنَا عِزًّا يُعِيدُ لِلإِسْلَامِ هَيْبَتَهُ، وَلِلْمُسْلِمِينَ كَرَامَتَهُمْ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا، وَارْحَمْ مَوْتَانَا، وَسَدِّدْ خُطَانَا.
اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.
اللَّهُمَّ أَيِّدْهُمْ بِالْحَقِّ وَأَيِّدِ الحَقَّ بِهِمْ.
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا، واسْتَعْمِلْ عَلَيْنَا خِيَارَنَا، واكْفِنَا شَرَ شِرَارِنَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَأَمْنَنَا وَاسْتِقْرَارَنَا مِنْ كَيْدِ الأَعْدَاءِ الحَاقِدِينَ، وَمن دَسَائِسِ المُغْرِضِينَ الحَاسِدِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَاسْتُرْ عُيُوبَنَا، وَتَجَاوَزْ عَنْ خَطَايَانَا، وَاهْدِنَا صِرَاطَكَ المُسْتَقِيمَ.
عِبَادَ اللَّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى، وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ وَالبَغْيِ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.
للتصفح والتحميل:


