Scroll Top

خطبة الجمعة: دروس وعبر من غزوة بني المصطلق

الخطبة الأولى

الحَمْدُ لِلَّهِ العَلِيِّ الكَبِيرِ، المُتَفَرِّدِ بِالعِزَّةِ وَالقُدْرَةِ وَالتَّدْبِيرِ، يُؤْتِي المُلْكَ مَنْ يَشَاءُ وَيَنْزِعُ المُلْكَ مِمَّنْ يَشَاءُ، وَيُعِزُّ مَنْ يَشَاءُ وَيُذِلُّ مَنْ يَشَاءُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ؛ أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نَصَرَ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ، وَأَذَلَّ الكَافِرِينَ وَالمُنَافِقِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، القَائِدُ الحَكِيمُ، وَالرَّحْمَةُ المهْدَاةُ، وَالسِّرَاجُ المنِيرُ، صَلَوَاتُ رَبِّي وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّاهِرِينَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ؛ أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا المسْلِمُونَ: يَقُولُ اللَّهُ تعالى في وَصْفِ الإنسَانِ: (كَلاَّ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى) [العلق: 6 ــ 7]، والطُّغْيَانُ تجاوُزُ الحَدِّ في العِصْيَانِ والفَسَادِ، وهذا الطُّغْيَانُ قَدْ يَدْفَعُ أَصْحَابَهُ إِلَى الطَّمَعِ فِي الضُّعَفَاءِ، وَإِلَى الظُّلْمِ وَالبَغْيِ عَلَيْهِمْ وَسَلْبِ حُقُوقِهِمْ، وَلِهَذَا أَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ بِالشَّرَائِعِ السَّمَاوِيَّةِ لِتَقْوِيمِ أَخْلَاقِ النَّاسِ، وَتَهْذِيبِ نُفُوسِهِمْ، وَنَشْرِ العَدْلِ بَيْنَهُمْ، كما أخبر بذلك في كتابِهِ العزيزِ بقولِهِ: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) [الحديد: 25]، فَالعَدْلُ هُوَ أَسَاسُ العُمْرَانِ، وَالظُّلْمُ هُوَ خَرَابُ الأَرْضِ وَهَلَاكُ أَهْلِهَا.

أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ: إِنَّ اللّهَ قد أخبرَنَا عن أقوَامٍ تَجَبَّرُوا وطَغَوْا وظَلَمُوا، وأفسدُوا في الأرضِ بعد إصلاحِهَا، فكان عاقِبَتُهُمْ الهَلَاكَ وَالدَّمَارَ، فقال تعالى حكايَةً عن عادٍ وثمودَ وفرعونَ: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ) [الفجر: 6 ــ 14].

وقال عن بني إسرائيلَ: (وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا) [الإسراء: 4 ــ 5].

أَيُّهَا الإِخْوَةُ الكِرَامُ: إنَّ القرآنَ الكريمَ يعلِّمُنَا أنَّ الـمَظْلُومِينَ إذا اسْتَكَانَوا وَرَضُوا بِالذُّلِّ وَالمَهَانَةِ، فَإِنَّ أَعْدَاءَهُمْ يَزْدَادُونَ عَلَيْهِمْ طُغْيَانًا وتَجَبُّرًا، لِذَلك أمرَنَا بعَدَمِ الخُضُوعِ لِلظَّالِمِينَ مَهْمَا كَانَتْ قُوَّتُهُمْ أَوْ كَثْرَتُهُمْ، فقال: (وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ) [هود: 113].

وأمرَنَا بِالثَّبَاتِ أَمَامَ الشَّدَائِدِ، والصَّبْرِ عَلَى المِحَنِ، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران: 200]، وَهَذَا مَا رَأَيْنَاهُ جَلِيًّا فِي سِيرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حِينَ وَاجَهَ مَعَ أَصْحَابِهِ أَصْعَبَ الظُّرُوفِ وَأَشَدَّ الأَزَمَاتِ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَتَنَازَلُوا عَنْ دِينِهِمْ، وَلَمْ يَهِنُوا فِي مُوَاجَهَةِ أَعْدَائِهِمْ.

وَمِنْ أَبْرَزِ تِلْكَ الـمَحَطَّاتِ المَلِيئَةِ بِالعِبَرِ وَالدُّرُوسِ غَزْوَةُ بَنِي الـمُصْطَلِقِ، وبنو الـمُصْطَلِقِ فَرْعٌ من قبيلَةِ خُزَاعَةَ، تَحَالَفُوا مع قُرَيْشٍ لِمُحَارَبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فخرج إليهم النَّبِيُّ بجيشِ المسلمين وأَغَارَ عليهم على حِينِ غفلَةٍ منهم، وسنَتَوَقَّفُ مَعَ هذه الغزوَةِ لِنَتَأَمَّلَ أَحْدَاثَهَا، وَنَسْتَلْهِمَ مِنْ مَوَاقِفِهَا القُوَّةَ وَالثَّبَاتَ، وَنَعْرِفَ كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُودُ الأُمَّةَ بِحِكْمَةٍ وَرَحْمَةٍ فِي مُوَاجَهَةِ الأَعْدَاءِ وَالمُتَرَبِّصِينَ.

أَيُّهَا المُؤمنونَ: إِنَّ غَزْوَةَ بَنِي الـمُصْطَلِقِ، الَّتِي وَقَعَتْ أحدَاثُهَا فِي مثلِ هذا الشّهْرِ، أي في شَهْرِ شَعْبَانَ من السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلهِجْرَةِ، ولم تكن مُجَرَّدَ مَعْرَكَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَأَعْدَائِهِمْ، بَلْ كَانَتْ مَحَطَّةً مُهِمَّةً أَظْهَرَتِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي وَاجَهَتِ الدَّعْوَةَ الإِسْلَامِيَّةَ مِنَ الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، وَكَشَفَتْ عَنْ حِكْمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِدَارَةِ الأَزَمَاتِ وَوَأْدِ الفِتَنِ قَبْلَ أَنْ تَسْتَفْحِلَ.

بَدَأَتْ أحدَاثُ هَذِهِ الغَزْوَةِ عِنْدَمَا بَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ، زَعِيمَ بَنِي الـمُصْطَلِقِ، قَدْ جَمَعَ جَيْشًا اسْتِعْدَادًا لِلهُجُومِ عَلَى المَدِينَةِ المنَوَّرَةِ، مِمَّا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الـمَخَاطِرَ لَمْ تَكُنْ تَقْتَصِرُ عَلَى قُرَيْشٍ، بَلِ امْتَدَّتْ لِتَشْمَلَ قَبَائِلَ مُتَحَالِفَةً معها، تَسْعَى لِإِضْعَافِ المُسْلِمِينَ، وَفِي هَذَا دَرْسٌ عَظِيمٌ لَنَا فِي أَهَمِّيَّةِ الـمُبَادَرَةِ لِرَدْعِ العُدْوَانِ قَبْلَ أَنْ يَشْتَدَّ خَطَرُهُ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْتَظِرْ حَتَّى يَأْتِيَهُ العَدُوُّ، بَلْ خَرَجَ بِجَيْشٍ قِوَامُهُ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَثَلَاثُونَ فَرَسًا، وَاتَّجَهَ لِمُلَاقَاةِ بَنِي الـمُصْطَلِقِ فِي مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ «الْمُرَيْسِيعُ»، وهو اسْمُ بِئْرٍ من آبَارِهِمْ.

وكَانَ النَّصْرُ حليفَ الْمُسْلِمِينَ، وتَمَكَّنُوا مِنَ القضَاءِ على الأعداءِ المتآمِرِينَ، وَأَسَرُوا الكثيرَ من رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَكَانَ مِنْ بَيْنِ الأَسْرَى جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحَارِثِ، ابْنَةُ زَعِيمِ بَنِي الـمُصْطَلِقِ، الَّتِي تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا بَعْدُ، وَكَانَ لِهَذَا الزَّوَاجِ أَثَرٌ عَظِيمٌ فِي نَشْرِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، إِذْ أَدَّى إِلَى إِسْلَامِ بَنِي الـمُصْطَلِقِ بِأَكْمَلِهِمْ، حَيْثُ رَأَى الصَّحَابَةُ أَنَّ أَقْرِبَاءَ زَوْجَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلِيقُ أَنْ يَبْقَوْا أَسْرَى، فَأَطْلَقُوا سَرَاحَهُمْ جَمِيعًا.

وَهُنَا تَتَجَلَّى حِكْمَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ إِلَى الزَّوَاجِ مُجَرَّدَ عِلَاقَةٍ شَخْصِيَّةٍ، بَلْ وَسِيلَةً لِتَأْلِيفِ القُلُوبِ وَدَعْوَةِ النَّاسِ إِلَى الإِسْلَامِ.

أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: إِنَّ هَذِهِ الغَزْوَةَ لَمْ تَخْلُ مِنَ التَّحَدِّيَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، فَقَدْ كَانَتْ فُرْصَةً لِلْمُنَافِقِينَ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ، لِإِثَارَةِ الفِتَنِ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، حَيْثُ حَاوَلَ اسْتِغْلَالَ خِلَافٍ بَسِيطٍ بَيْنَ أَحَدِ الـمُهَاجِرِينَ وَرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ لِإِحْيَاءِ العَصَبِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ، وَدَعَا الأَنْصَارَ قَائِلًا: (لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الـمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ) [المنافقون: 8]، فِي إِشَارَةٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ، وَهُنَا يَظْهَرُ دَرْسٌ مُهِمٌّ، وهو أَنَّ الأَزَمَاتِ قَدْ تَأْتِي مِنَ الدَّاخِلِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَ الإِسْلَامِ قَدْ يُحَاوِلُونَ تَفْكِيكَ وَحْدَتِهِ بِإِثَارَةِ النَّعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، لَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَامَلَ مَعَ هَذَا الـمَوْقِفِ بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ، فَلَمْ يُعَجِّلْ بِاتِّخَاذِ قَرَارٍ ضِدَّ المُنَافِقِينَ، حِفَاظًا عَلَى وَحْدَةِ الصَّفِّ الدَّاخِلِيِّ، وَتَرَكَ أَمْرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولَ وَأَتْبَاعِهِ سُورَةَ المنافِقُونَ الَّتِي فَضَحَتْهُمْ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون:7 ــ 8]، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تعالى لَا يَغْفَلُ عَنْ أَفْعَالِ الظَّالِمِينَ، وَسَيَكْشِفُ حَقِيقَتَهُمْ مَهْمَا حَاوَلُوا التَّخَفِّيَ.

أَيُّهَا الـمؤْمِنُونَ والمؤمنات: لَقَدْ كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الـمُصْطَلِقِ مَلِيئَةً بِالدُّرُوسِ الَّتِي تَحْتَاجُ الأُمَّةُ أَنْ تَتَأَمَّلَهَا اليَوْمَ، مِنْ أَبْرَزِهَا أَهَمِّيَّةُ الـمبَادَرَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الخَطَرِ، وَتَجَنُّبُ التَّرَاخِي أَمَامَ التَّهْدِيدَاتِ. كَمَا أَنَّهَا تُعَلِّمُنَا أَنَّ الوَحْدَةَ بَيْنَ الـمسْلِمِينَ هِيَ دِرْعُهُمْ القَوِيُّ أَمَامَ أَعْدَائِهِمْ، وَأَنَّ الفُرْقَةَ وَالعَصَبِيَّةَ الجَاهِلِيَّةَ لَا تَجْلِبُ سِوَى الضَّعْفِ وَالهَزِيمَةِ، وَلَعَلَّ أَهَمَّ هَذِهِ الدُّرُوسِ هُوَ أَنَّ القَائِدَ الحَكِيمَ، كَالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْرِفُ كَيْفَ يُحَافِظُ عَلَى تَمَاسُكِ أُمَّتِهِ وَيَصُونُهَا مِنَ الدَّاخِلِ، فِي الوَقْتِ الَّذِي يُوَاجِهُ فِيهِ الأَخْطَارَ الخَارِجِيَّةَ بِثَبَاتٍ وَعَزِيمَةٍ، فلنجعَلْ من هذه الغزوةِ درسًا، ولنقتبِسْ من حكمَةِ النّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ما يجعلُنَا نحافِظُ على وطنِنَا من كلِّ الفِتَنِ والدّسَائِسِ، ولْنُفَوِّتْ الفرصَ على الحاقدين والمتربِّصِينَ بِنَا الدّوائِرَ من المُرْجِفِينَ والمُغْرِضِينَ والحاقدين.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ دُرُوسِ التَّارِيخِ وَيَسْتَفِيدُونَ مِنْ مَوَاقِفِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَثَبِّتْنَا عَلَى الحَقِّ، وَوَحِّدْ صُفُوفَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى مَنْ عَادَانَا، إِنَّكَ وَلِيُّ ذَلِكَ وَالقَادِرُ عَلَيْهِ.

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي القُرْآنِ العَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحمدُ للّهِ الذي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَبِفَضْلِهِ تَنْزَاحُ الأَزَمَاتُ، نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى كَرَمِهِ، وَنَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ. أَمَّا بَعْدُ:

عِبَادَ اللَّهِ: فِي غَزْوَةِ بَنِي الـمُصْطَلِقِ، وَقَعَ حَادِثُ الإِفْكِ الَّذِي كَانَ مِنْ أَشَدِّ الفِتَنِ عَلَى المسْلِمِينَ، فَقَد اتَّهَمَ الـمنَافِقُونَ أُمَّ الـمؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رضي اللّه عنها بِمَا بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنهُ، وكَانَتْ فِتْنَةً عَصِيبَةً، هَزَّتْ أَرْكَانَ المجْتَمَعِ المسْلِمِ، وَزَلزَلَتْ قُلُوبَ المؤْمِنِينَ، لَكِنَّ اللّهَ تعالى أَرَادَ أَنْ يُعَلِّمَ الأُمَّةَ دُرُوسًا عَظِيمَةً فِي الثَّبَاتِ وَالثِّقَةِ بِالحَقِّ، والتّصدِّي لكلِّ الإشاعاتِ الباطلَةِ، والأقَاويلِ الكاذبَةِ، والدّعَايَةِ المُضَلِّلَةِ المغرضَةِ، التي تحاوِلُ زعزعَةَ الاستقرارِ، وشيوعَ الفتنَةِ، وتمزيقَ الصَّفِّ، وتفريقَ الشّمْلِ.

ورَغْمَ الظُّلْمِ وَالافْتِرَاءِ، صَبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ، وَكَانَتِ الثِّقَةُ بِاللهِ وَحْدَهُ السَّبِيلَ لِتَخطِّي هَذِهِ الفِتْنَةِ. حَتَّى جَاءَ الفَرَجُ مِنَ السَّمَاءِ، وَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالِافْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الِاثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [النور: 11]، فَكَانَتْ بَرَاءَةُ أُمِّ المؤْمِنِينَ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَبَقِيَتْ عَائِشَةُ ~ طَاهِرَةً مُطَهَّرَةً.

أَيُّهَا المؤْمِنُونَ: إِنَّ هَذِهِ الحَادِثَةَ تُعَلِّمُنَا دُرُوسًا مُهِمَّةً، أَوَّلُهَا أَنْ نَتَحَقَّقَ مِنَ الأَخْبَارِ قَبْلَ تَصْدِيقِهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: 6]؛ ثانيها الصَّبْرُ عَلَى البَلَاءِ وَالثِّقَةُ بِاللّهِ تَعَالَى، فَالمؤْمِنُ يَعْلَمُ أَنَّ اللّهَ لا يُضِيعُ عِبَادَهُ، وَأَنَّ البَاطِلَ مَهْمَا عَلَا، فَمَآلُهُ إِلَى زَوَالٍ؛ وثالثها أَنَّ الفِتَنَ هِيَ اخْتِبَارٌ لِلثَّبَاتِ عَلَى دِينِ اللّهِ، وَأَنَّ المُؤْمِنَ الحَقِيقِيَّ لَا يَسْتَسْلِمُ لِلشَّائِعَاتِ وَلَا يَهْتَزُّ أَمَامَ الأَكَاذِيبِ.

أيّها الأحبّة: تَذَكَّرُوا أَنَّ الماضِي مُحمَّلٌ بِالدُّرُوسِ وَالعِبَرِ، وَمَا وَاقِعُ الزَّمَانِ إِلَّا صُورَةٌ مِمَّا مَضَى، فَاحْذَرُوا مِمَّا يَبُثُّهُ الـمُغْرِضُونَ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِكُمْ، وَكُونُوا حَفَظةً للدّينِ، حُرَّاسًا لِلْحَقِّ، حُمَاةً للوَحْدَةِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنَ الثَّابِتِينَ عَلَى الحَقِّ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ يَصُونُونَ أَلْسِنَتَهُمْ عَنِ الزُّورِ، وَوَحِّدْ صُفُوفَنَا، وَاكْشِفْ عَنَّا كُلَّ فِتْنَةٍ، ظَاهِرَةً أَوْ بَاطِنَةً، وَثَبِّتْنَا عَلَى طَاعَتِكَ.

اللَّهُمَّ أعزَّنَا بالإسلَامِ، واجْمَعْ بِهِ شَتَاتَنَا، وَوَحِّدْ بِهِ صفوفَنَا، وأَلِفْ بِهِ بين قلوبِنَا.

اللَّهُمَّ انْصُرْنَا على أَعدَائِنَا، وأَصلِحْ أُمُورَنَا واهْدِ وُلَّاةَ أمورِنَا لِمَا فيه الخَيْرُ والصَّلَاحُ في دِينِنَا وَدُنْيَانَا، إنّكَ جَوَادٌ كَرِيمٌ.

اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ.

اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بَالصَّالِحِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلا مَفْتُونِينَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِوَالِدَيْنَا وَجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

عبادَ اللّه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [سورة النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه يزدكم، (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ) [سورة العنكبوت: 45].

وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَآخِرُ دَعْوَانَا أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.