Scroll Top

خطبة الجمعة بجامع الجزائر: يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشّرّ أقصر

الخطبة الأولى

الحمْدُ للّهِ الذي وَفّقَ المُجِدِّينَ في طَاعَتهِ يبْتَغُونَ مرضَاتَهُ، فوَجَدُوا سعيَهُم عنْدَ رَبِّهِم مُتَقَبَّلًا مَشْكُورًا، وحقَّقَ آمالَ الطَّامِعِينَ بعَفْوِه ورحمَتِهِ، فجَزَاهُمْ بحُسْنِ ظَنِّهِم به عطاءً موفُورًا، وبَسَطَ ردَاءَ جُودِهِ ومنِّهِ علَى التَّائِبِينَ المُنِيبينَ، فغَدَا وِزْرُهُم معْفُوًّا عنهُ مغْفُورًا، وأَسْبَلَ من نعْمَائِهِ علَى عِبَادِهِ الطَّائِعينَ وَابِلًا غَزِيرًا، وأشْهَدُ أن لَا إلهَ إلّا اللَّهُ، أَكْرَمَنَا بشهْرِ رمَضَانَ، وضمَّنَهُ خيرًا وَفيرًا، وأشْهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسُولُهُ، وصفِيُّهُ منْ خَلْقِهِ وخَلِيلُهُ، أفضَلُ من صَامَ وَقَامَ وقرَأَ القُرآنَ، وتَصَدَّقَ كَثِيرًا، أَلَا واتَّقُوا اللّهَ عبَادَ اللّهِ ورَاقبُوهُ عشِيَّةً وبُكُورًا، وأقْبِلُوا على الخَيْرِ في شَهْرِ المَكْرُمَاتِ، فإنَّ ثوَابَ الأَعْمَالِ يضَعَّفُ ويُنَمَّى أجْرًا كبيرًا، وإيَّاكُمْ والمُوبقَاتِ، فإنّ ارْتِكَابَهَا في الشَّهْرِ الفَضِيلِ انتهَاكٌ لحُرْمَتِهِ، فَيُخْشَى علَى صَاحِبِهِ يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا، قالَ اللّهُ تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 ــ 71]، ألَا وإنَّ أصدَقَ الحَدِيثِ كتابُ اللّهِ تعالَى، وأحْسَنَ الهَدْيِ هَدْيُ سيِّدِنَا محمَّدٍ عليهِ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، وشَرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُهَا، وكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، أمّا بعْدُ:

أيُّهَا المؤمِنُونَ الصَّائِمُون: لقَدْ صَحَّ عن رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، منْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضيَ اللّهُ عنهُ، كما عندَ التِّرْمِذِيِّ وابنِ مَاجَهْ وابنِ خُزَيْمَةَ واللَّفْظُ للتِّرْمِذِيِّ أنَّهُ قَالَ: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجَانِّ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ، يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ»، قالَ الحَسَنُ البَصْرِي رحمَهُ اللّهُ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى جَعَلَ رَمَضَانَ مِضْمَارًا لِخَلْقِهِ، يَسْتَبِقُونَ فِيهِ بِطَاعَتِهِ إِلَى مَرْضَاتِهِ، فَسَبَقَ قَوْمٌ فَفَازُوا، وَتَخَلَّفَ آخَرُونَ فَخَابُوا، فَالْعَجَبُ مِنَ اللَّاعِبِ الضَّاحِكِ، فِي الْيَوْمِ الَّذِي يَفُوزُ فِيهِ الْمُحْسِنُونَ، ويَخْسَرُ فيهِ الْمُبْطِلُونَ».

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ

يَا بَاغيَ الخَيْرِ أقْبلْ على أَدَاءِ الفَرَائِضِ، فمَا تَقَرَّبَ العَبْدُ إلَى اللَّهِ تعَالَى بأَحَبَّ إليهِ ممَّا افترَضَ عليْهِ، ثمَّ اسْتَكْثِرْ من النَّوافلِ بمخْتلِفِ أجنَاسِهَا، فإنَّ الأَجْرَ يضَاعَفُ في الأَزْمِنَةِ المُبَارَكَةِ.

يَا بَاغِيَ الخَيْرِ حَافِظْ علَى الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وصَومِ رمضَانَ، وصِلَةِ الأَرْحَامِ، وأدَاءِ الحُقُوقِ، وكُلِّ عِبَادَةٍ فرَضَهَا اللهُ عليكَ، واعلَمْ أنَّ كونَهَا واجِبَةً، يُعَاقبُ عَلى تَرْكهَا والتَّقصِيرِ في أدَائِهَا، لا يَمْنَعُ أن يُرَتِّبَ اللهُ عليهَا أجرًا عظيمًا خُصُوصًا في الأزمنَةِ الفاضِلَةِ، فقد تواترَتْ النُّصُوصُ على خصُوصيَّةِ الطَّاعةِ في رَمضانَ، فقدْ روَى مسلمٌ عن أبِي هريرةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ»، وثبتَ في الصِّحاح، كما عندَ مسلم من حَديث أبي هُريرةَ رضيَ اللّهُ عنهُ قالَ: قالَ رسولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»، وعندَ الشَّيخينِ من حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، فاحرِصْ أخِي الصَّائمَ علَى أَدَاءِ الفَرَائِضِ حَقَّ الأَدَاءِ، كَمَا أَمَرَكَ بذلكَ رَبُّ الأَرْضِ والسَّمَاءِ.

يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ علَى صَلَاةِ القِيَامِ في شَهْرِ التَّرَاوِيحِ والتَّهَجُّدِ، فإنَّهَا سنَّةُ النَّبيِّ عليهِ السَّلَامُ، وهَدْيُ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ من بَعْدِهِ، فقد ثَبَتَ في الحدِيثِ الصَّحِيحِ عن رسُولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنّهُ قالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، ولتحرِصْ إذَا أقمتَهَا في المَسْجِدِ أن تُتِمَّهَا مع الإمامِ إن استطعْتَ إلى ذلكَ سبيلًا، حتَّى يُكتَبَ لكَ أجرُ ليلَةٍ كاملَةٍ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائيُّ عن أبِي ذرٍّ رضيَ اللَّهُ عنهُ أنّ رسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ، حُسِبَ لَهُ قِيَامُ اللَّيْلَةِ».

يَا بَاغِيَ الخَيْرِ، إنَّ شَهرَ رَمَضَانَ هو شَهرُ الإكثَارِ من الصَّدَقَاتِ والمَبَرَّاتِ، فَجُدْ بشيءٍ ممَّا آتاكَ اللَّهُ، وتَصَدَّقْ به علَى أَهْلِ العَوَزِ والفَاقَةِ، لتُدْخِلَ فرحَةَ رَمَضَانَ على قلوبِهِمْ، مقتدِيًا بإمَامِ الجُودِ وسَيِّدِ الكَرَمِ، سَيِّدِنَا رسولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، حيثُ ثَبَتَ في الصَّحيحينِ واللَّفْظُ للبخارِيِّ من حدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضيَ اللَّهُ عنهما قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ».

يَا بَاغِيَ الخيْرِ، لقد أَكرَمَ اللَّهُ تَعَالَى رَمَضَانَ، وشَرَّفَهُ بإنْزَالِ القُرْآنِ الكَرِيمِ في أَعْظَمِ لَيْلَةٍ منهُ، إنَّهَا لَيْلَةُ القَدْرِ وَالشَّرَفِ وَالشَّانِ، فَقَالَ تَعَالَى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) [البقرة: 185]، فَأَقْبِلْ بكُلِّيَّتِكَ على كِتَابِ رَبِّكَ تِلَاوَةً ومدَارَسَةً وتَدَبُّرًا وعَمَلًا، واخْتِمْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وأطرَافَ النَّهَارِ، فإنَّهَا سُنَّةُ نبِيِّنَا المُخْتَارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذي نوَّرَ اللَّهُ قلبَهُ بنُورِ آيِهِ، وقدْ كانَ من دَيْدَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يُدَارِسَ أَمِينَ الوَحْيِ جِبْرِيلَ عليْهِ السَّلَامُ، القرآنَ كُلَّهُ في رَمَضَانَ، وعَارَضَهُ القُرْآنَ مرَّتَيْنِ فِي العَامِ الَّذِي تُوُفِّيَ فيهِ، وقَدْ مَرَّ مَعَنَا حَدِيثُ ابنِ عَبَّاسٍ السَّابِقُ، وهو هَدْيُ سَلَفِ هذهِ الأُمَّةِ، كما رُوِيَ بالأَسَانِيدِ الثَّابِتَةِ، من ذلكَ: مَا نُقِلَ عنِ الإمَامِ الشَّافِعِيِّ رحمَهُ اللّهُ أنّهُ كَانَتْ لَهُ في رَمَضَانَ سِتُّونَ خَتْمَةً، يَقْرَؤُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وكَانَ سفيَانُ الثَّوْرِيُّ رضيَ اللَّهُ عنه إذا دَخَلَ رَمَضَانُ تَرَكَ جميعَ العبَادَةِ، وأَقْبَلَ علَى قِرَاءَةِ القُرْآنِ، والآثَارُ في هذَا البَابِ فوقَ العَدِّ والحَصْرِ.

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ

وَحَافِظْ علَى شَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّــهُ    لَخَامِسُ أَرْكَانٍ لِدِينِ مُحَمَّــدِ

تُغَلَّقُ أَبْوَابُ الْجَحِيـــــمِ إِذَا أَتَى    وَتُفْتَحُ أَبوَابُ الْجِنَانِ لِعُبَّـــــــدِ

تُرَفْرِفُ جَنَّاتُ النَّعِيمِ وَحُورُهَا    لِأَهْلِ الرِّضَا فِيهِ وَأَهْلِ التَّعَبُّدِ

وَقَدْ خَصَّهُ اللَّهُ الْعَظِيمُ بِلَيْلَـــــــةٍ     علَى أَلْفِ شَهْرِ فُضِّلَتْ فَتَزَوَّدِ

أَقُولُ مَا تَسمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الحَلِيمَ العَظِيمَ لي ولكم، ويا فَوْزَ المسْتَغْفِرينَ، أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ.

الخطبة الثانية

الحمْدُ للّهِ وكَفَى، والصَّلَاةُ والسَّلَامُ على النَّبِيِّ المُصْطَفَى، ومَنْ بآثَارِهِ اقْتَفَى، وبعهْدِ اللّهِ وَفَّى، وسَلَامٌ على عبادِهِ الذين اصْطَفَى، وبعْدُ:

فإنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ هُوَ شَهْرُ الإِمسَاكِ عنِ المُفْطِرَاتِ ومُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، فَهُوَ يُرَبِّي النَّفْسَ علَى تَرْكِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، ويَعْمَلُ علَى تهذِيبِهَا بالفَضَائِلِ، وتَحْلِيَتِهَا بالمَكْرُمَاتِ، قالَ جَابِرُ بنُ عبْدِ اللَّهِ الأَنصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «إِذَا صُمْتَ فلْيَصُمْ سَمْعُكَ وبَصَرُكَ ولِسَانُكَ عَنِ الكَذِبِ وَالمَحَارِمِ، وَدَعْ أَذَى الجَارِ، وَلْيَكُنْ لَكَ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ، وَلَا تَجْعَلْ يَوْمَ صَوْمِكَ وَيَوْمَ فِطْرِكَ سَوَاءً»، قَالَ عليهِ الصّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا عندَ ابنِ مَاجَهْ منْ حَديثِ أبي هريرَةَ: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلَّا الجُوعُ، وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلَّا السَّهَرُ».

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ

يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقصِرْ عنِ الكَذِبِ وشَهَادَةِ الزُّورِ والغِيبَةِ والبُهْتَانِ، ولَا تُعَرِّضْ صومَكَ للفَسَادِ والبُطْلَانِ، فقد صَحَّ عنِ الصَّادِقِ المصْدُوقِ كما عندَ البخارِيِّ من حديثِ أبي هريرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامهُ وَشَرَابَهُ».

يَا بَاغيَ الشَّرِّ أقصرْ عنِ السَّفَهِ والهَمَجِيَّةِ والصِّيَاحِ والصُّرَاخِ، وسَبِّ الدِّينِ واللَّعْنِ وفُحْشِ الكَلَامِ وبذِيئِهِ، فإنَّ كلَّ هذهِ الموبقَاتِ منافيَةٌ لحقيقَةِ الصَّومِ، فقد صَحَّ في الخَبَرِ كمَا عندَ البخاريِّ من حديثِ أبي هريرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ رسولَ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَليقُلْ إِنِّي صَائمٌ، إِنِّي صَائمٌ».

يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ عنِ الجِدَالِ والخُصُومَةِ وهُجْرَانِ الإِخْوَانِ، وإِثَارَةِ نَعَرَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، إذِ الخِصَامُ سَبَبٌ للضَّغينَةِ والحِرْمَانِ من الخَيْرِ، فقدْ صَحَّ في الأَثَرِ كمَا عند البخارِيِّ من حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّهُ قَالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ، وَالسَّابِعَةِ، وَالْخَامِسَةِ»، فهلْ تَرضَى أَخِي الصَّائِمَ أَنْ تُحْرَمَ خَيرَاتِ الشَّهْرِ الفَضِيلِ بسَبَبِ خصُومَةٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ أوْ شَحْنَاءَ؟

يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقصِرْ عن الغفْلَةِ والإعرَاضِ عنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وإضَاعَةِ الأوقَاتِ فيمَا لا نَفْعَ فيهِ، بَلْ الوقُوعَ في المَعَاصِي والمُوبِقَاتِ، قالَ تعالَى متوعِّدًا أهلَ الغَفْلَةِ: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124]، وقالَ الحَسَنُ البصريُّ رحمَهُ اللّهُ: «مِنْ عَلَامَةِ إِعْرَاضِ اللَّهِ عَنِ العَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ شُغْلَهُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، خِذْلَانًا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».

يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقصِرْ عن كلِّ مَعْصِيَةٍ سوَّلَتْهَا لَكَ نفْسُكَ في سِرٍّ أو عَلَانِيَةٍ، أو جَهْرَةٍ أو خَلْوَةٍ، لأنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ نَاظِرٌ إليكَ، مُحْصٍ عليكَ أنفاسَكَ، ولا يَخْفَى عليهِ شيءٌ من أَمْرِكَ، فَقَدْ وَرَدَ في الخَبَرِ الصَّحِيحِ كمَا عندَ ابنِ مَاجَهْ منْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عنِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالَ: «لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا، أَلَّا نَكُونَ مِنْهُمْ، ونَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قالَ: أَمَا إِنَّهُمْ إِخوَانُكُمْ ومِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنّ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا».

يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ

أيُّهَا المُحْسِنُونَ: هذَا هُوَ ذَا شَهْرُ المَكْرُمَاتِ، وَزَمَنُ الأُعْطِيَاتِ، ومَحَلُّ البَرَكَاتِ، فلَا تُفَوِّتُوا فُرْصَتَهُ بالغَفَلَاتِ، واعْلَمُوا رحمكُمُ اللَّهُ أنَّ منْ لمْ يَرْبَحْ في هذَا الشَّهْرِ، ففِي أيِّ وقِتٍ يَرْبَحْ؟ ومَنْ لَمْ يقْرُبْ فيهِ من مَوْلَاهُ، فهُوَ علَى بُعْدِهِ لَمْ يَبْرَحْ.

يَا نَفسُ فَازَ الصَّالِحُونَ بِالتُّقَى    قَدْ أَبْصَرُوا الْحَقَّ وَقَلْبِي قَدْ عَمِي

يَا حُسْنَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ جَنَّهُــــــمْ     وَنُورُهُمْ يَفُوقُ نُورَ الْأَنْجُـــــــــــــــــمِ

تَرَنَّمُوا بِالذِّكْـــــــــرِ فِي لَيْلِـــــــهِم      فَعَيْشُهُم قدْ طَـــــــــــابَ بِالتَّرَنُّــــــــمِ

قُلُــــــوبُهُمْ لِلذِّكْرِ قَدْ تفَرَّغَـــــتْ      دُمُوعُهُم كَــــــــلُؤْلُؤٍ مُنْتَظِــــــــــــــــــــمِ

وَيْحَــــــكِ يَا نَفْسُ أَلَا تَيَقُّـــــــــظٌ      يَنْفَــــــــــعُ قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِـــــــــــــــي

مَضَى الزَّمَانُ فِي تَوَانٍ وَهَوًى      فَاسْتَدْرِكِي مَا قَدْ بَقِي واغْتَنِمِــي

عبادَ اللّهِ: إنّي دَاعٍ فَأَمِّنُوا:

اللّهمّ لا تَدَعْ لنا في هذا المَقَامِ ذَنْبًا إلّا غفرْتَهُ، ولا هَمًّا إلّا فَرَّجْتَهُ، ولا دَيْنًا إلّا قَضَيْتَهُ، ولا مريضًا إلّا شَفَيْتَهُ، ولا عَدُوًّا إلّا خَذَلْتَهُ وقَصَمْتَهُ.

اللّهمّ انْصُرْ مَن نَصَرَ الدّينَ، واخْذُلْ من خَذَلَ المُسْلِمِينَ.

اللهُمَّ تَقَبَّلْ منَّا الصِّيَامَ والقِيَامَ والقُرآنَ، اللَّهُمَّ سَلِّمْنَا لرَمَضَانَ، وتسَلَّمْهُ منَّا مُتَقَبَّلًا.

اللّهمّ خُذْ بِيَدِ إخوَانِنَا الفلسطينيين إلى البِرِّ والتَّقَوى، اللّهمّ أَطْعِمْ جَائِعَهُمْ، وَاسْتُرْ عَارِيَهُمْ، وأَمِّنْ خَائِفَهُمْ، وتَقَبَّلْ شَهِيدَهُمْ، وانْصُرْهُمْ على عَدُوِّكَ وعَدُوِّهِمْ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.

اللّهمّ إنّا نَسْألُكَ الإصْلَاحَ في الوَلَدِ، والعَافِيَةَ في الجَسَدِ، والأَمْنَ في البَلَدِ.

اللّهمّ احفَظْ حَاكِمَ البِلَادِ بِحِفْظِكَ، واكْلَأْهُ بِكَلَاءَتِكَ، وأَيِّدْهُ بِتَأْيِيدِكَ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.

رَبَّنَا آتِنَا في الدّنيَا حَسَنَةً، وفي الآخرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.

وسبحانَكَ اللّهمّ وبحمدِكَ، أشهَدُ أن لا إلَهَ إلّا أنت، أستغفرُكَ، وأتوبُ إليكَ.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.