Scroll Top

خطبة الجمعة: استقبال العام الجديد

الخطبة الأولى

الحمْدُ للّهِ حَمْدًا كثيرًا كما أَمَرَ، وأشهَدُ أن لا إلَهَ إلّا اللّهُ وحدَهُ القَائِلُ سبحانَهُ: (إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) [يونس: 6].

وأشهَدُ أنّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ القَائِلُ: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ، وَالفَرَاغُ»، رواهُ البخاريُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا.

صَلَّى اللّهُ عليه في الأوّلين والآخرين، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ إلى يومِ الدِّينِ؛ أمّا بعد:

 أيُّهَا الإخوَةُ المؤمنون: إنَّ ممّا اجتمعَتْ عليه كلمَةُ النّاسِ في هذه الأَيَّامِ؛ سُرْعَةُ جَرَيَانِ الزَّمَانِ، وتَقَارُبُ الشُّهُورِ والأعوَامِ، بشَكْلٍ يَستَدعي التَّأَمُّلَ والتَّدَبُّرَ؛ فانقضَاءُ الزَّمَنِ يعني تَقَاصُرَ الأعمَارِ؛ ولهذا كَثُرَتْ في القرآنِ الكريمِ الآيَاتُ التي تُلْفِتُ النَّظَرَ إلى تَقَلُّبِ اللَّيلِ والنَّهَارِ، وتَعَاقُبِهِمَا، وما يتطلَّبُهُ ذلك من تَدَبُّرٍ واعتبَارٍ، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ والْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُوليِ الْأَلْبَابِ) [آل عمران: 190].

وأَرْشَدَ سبحانَهُ إلى أَنَّ أَفْضَلَ ما يَنْبَغِي على العَاقِلِ بِإِزَاءِ ذلك هو عِمَارَةُ الأوقَاتِ بالصّالِحَاتِ والمَبَرَّاتِ فقال عَزَّ مِنْ قَائلٍ: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنَ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوَ أَرَادَ شُكُورًا) [الفرقان: 62].

وأنّ العِبْرَةَ من العُمْرِ هيَ حُسْنُ العَمَلِ والإِنجَازُ، كما قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2].

وأقْسَمَ بأجزَاءَ من النَّهَارِ وأطرَافٍ من اللَّيْلِ، وأقْسَمَ بمُطْلَقِ الزَّمَنِ فقال تعالى: (وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ) [العصر: 1 ــ 2].

واللّهُ تعالى لا يُقْسِمُ إلّا بعظيمٍ، فَدَلَّ ذلك على عَظَمَةِ الوَقْتِ والزَّمَانِ وأهميّتِهِ في حَيَاةِ الإنْسَانِ، وقَسَّمَ الأعمَالَ على أطرَافِ النَّهَارِ والأعوَامِ، وقال لنبيِّهِ الكرِيمِ: (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) [طه: 130].

كُلُّ ذلك ليعلِّمَنَا التَّفَاعُلَ معَ جَرَيَانِ الزَّمَنِ، التَّفَاعُلَ الإيجَابِيَّ الفَعَّالَ الذي يجعَلُ الإنسَانَ يُسَابِقُ الزَّمَنَ ويُسَارِعُ إِبَّانَهُ إلى الخيرَاتِ، قال تعالى: (فاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) [البقرة: 148].

أيّها السّادةُ الأعزّاءُ: ونحنُ نودِّعُ عَامًا، مَرَّ بنا على عَجَلٍ، ونستقبِلُ عَامًا جَديدًا، جَدِيرٌ بنا أن نَقِفَ معَ أنفسِنَا وَقْفَةَ مُحاسَبَةٍ ومُسَاءَلَةٍ عنْ عَامٍ مَضَى، عن سَاعَاتِهِ وأَيَّامِهِ، وشُهُورِهِ كيفَ انْقَضَتْ؟ وماذا أَنجَزْنَا فيها؟ وما هي حصيلتُنَا من نَجَاحَاتٍ أو إخْفَاقَاتٍ؟ على ضَوْءِ هذه المَسْاءَلَةِ ونَتَائجِهَا يكونُ استقبَالُ العَامِ الجديدِ، وتلكَ هي العبْرَةُ والادِّكَارُ الذي طَالَبَنَا به القرآنُ الكريمُ، فقد روى التَّرْمِذيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي اللّهُ عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الْأَمَانِيَّ».

والمُوَفَّقُ منَ النَّاسِ مَنْ عَمِلَ ذلكَ ليكونَ عَامُهُ القَابِلُ خَيْرًا منَ المَاضِي، ولا يَحْصُلُ ذلك إلّا بمعرفَةِ مَصْدَرِ أَخْطَائِهِ وأَسْبَابِ إِخْفَاقَاتِهِ فيُسَارِعَ إلى إصلاحِهَا وتَلَافِي أسْبابِهَا، وهذا بَابُهُ التَّوْبَةُ وإصلَاحُ النَّفْسِ، ثمّ بمعرفَةِ عَوَاملِ قُوَّتِهِ ونَجَاحَاتِهِ فيعزِّزَهَا ويطوِّرَهَا، وبَابُهُ اغتنَامُ القُوَّةِ والمَوَاهِبِ قَبْلَ زَوَالِهَا؛ وفي الحديثِ عند الحَاكِمِ في المُسْتَدَرَكِ والبَيْهَقِيِّ في شُعَبِ الإِيمَانِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ وَهُوَ يَعِظُهُ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاءَكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ»؛ وهذا مَنْهَجٌ إسلَاميٌّ قويمٌ أرْشدَنَا إليهِ الشَّرْعُ الحكيمُ.

أيُّها الإخوةُ الأفاضِلُ: السُّؤَالُ الذي نَوَدُّ مدَارَسَتَهُ في هذه الجمعَةِ الأخيرَةِ مِنْ هذا العَامِ، هو: كيفَ نستقبِلُ العَامَ الجَدِيدَ؟

إنّ إطلالَةَ العَامِ الجَدِيدِ، كَإشْرَاقَةِ يَوْمٍ جَمِيلٍ، لا بُدَّ أن تكونَ عَامِرَةً بالتَّفَاؤُلِ والأَمَلِ في اللّهِ، و أنْ يكُونَ العَامُ الجَدِيدُ حَافِلًا بالمُبَشِّرَاتِ والمَسَرَّاتِ، رَغْمَ ما يُحِيطُ بنا مِنْ صِرَاعَاتٍ وحُرُوبٍ، وأَزَمَاتٍ وخُطُوبٍ، ورغم ما يختَلِجُ في الصُّدُورِ من هُمُومٍ وأحزَانٍ هي جُزْءٌ منْ طبيعَةِ الحَيَاةِ التي خَلَقَنَا اللّهُ لنعيشَهَا، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4]، فلا بُدَّ حينَئذٍ مِنْ خَوْضِ غِمَارِ هذه التَّجْرِبَةِ التي وَضَعَنَا اللّهَ تعالى في خِضَمِّهَا متسلِّحِينَ بالإيمَانِ والأَمَلِ فيه والعَمَلِ لمَرْضَاتهِ، كما قال تعالى: (فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159].

نَخَوْضُ غِمَارَ التَّجْرِبَةِ امتثَالًا للأمْرِ النّبويِّ المُطَاعِ كما جاء في الحديثِ في الصّحيحينِ عن عليِّ بنِ أبي طالبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ».

وَصَدَقَ عَلَّامَةُ الجَزَائِرِ الشّيخُ عبدُ الحَمِيدِ بنُ بَادِيسَ وهو يُخَاطِبُ النَّشْءَ:

خُذْ لِلْحَيَاةِ سِلَاحَهَا … وَخُضِ الْخُطُوبَ وَلَاَ تَهَبْ

فَمَهْمَا أَظْلَمَتِ الحَيَاةُ في وَجْهِكَ أَيُّهَا الإنْسَانُ الكَادِحُ، فإنَّ لَكَ رَبًّا كَرِيمًا رَحِيمًا يَجبُرُ خَوَاطِرَ عبَادِهِ المكسورِينَ، قال جَلَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ) [يوسف: 87]، وقال أيضًا: (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ) [النمل: 62].

وأَوَّلُ ما يَنْبَغِي أنْ تَنْطَوِيَ عَلَيْهِ نِيَّةُ المَرْءِ وهو يَسْتَقْبِلُ العَامَ الجَديدَ:

ــ محَاسَبَةُ النَّفْسِ، لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 18 ــ 19] ، ولما جاء في الأثر عن عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي اللّهُ عنه أنّه قال: «حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا، وَزِنُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُوزَنُوا، فَإِنَّهُ أَهْوَنُ عَلَيْكُمْ فِي الْحِسَابِ غَدًا أَنْ تُحَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَتَزَيَّنُوا لِلْعَرْضِ الْأَكْبَرِ: (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) [الحاقة: 18]».

ــ والواجب الثّاني: التّخْطِيطُ للنَّجَاحِ والأَخْذُ بالأسبَابِ: قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [التوبة: 105].

وقال أيضًا: (وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ) [آل عمران: 136]، ذلك بأنّ وَاقعَ الإنسَانِ لنْ يَتَغَيَّرَ بالأمنيَاتِ الجميلَةِ ولاَ بالأحلَامِ الوَرْديَّةِ ما لم يُظَاهِرْهَا أَخْذٌ بأسْبابِهَا، وعزيمَةٌ على العَمَلِ والكَدْحِ في سبيلِ تحقيقِهَا، وخُطَّةٌ واضحَةُ المعالِمِ  قابلَةٌ للقيَاسِ جاهزَةٌ لتنفيذِهَا، فالجَهْلُ يَزُولُ بالتَّعَلُّمِ والصَّبْرِ على مطالبِهِ، والفَقْرُ لا يُتَخَلَّصُ منه إلاّ بالكَدِّ والسَّعْيِ الدّائِبِ للكسبِ الحَلَالِ، ومشكلَاتُ الحَيَاةِ وصُرُوفُ الدَّهْرِ وقسوَةُ الظُّرُوفِ لا تُحَلُّ ولا تَنجَلِي إلاّ باتخَاذِ أسبَابِ أَضْدَادِهَا، ففي صحيحِ مسلمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عن النّبيِّ صَلَّى اللّهُ عليه وسَلَّمَ أنَّه قال: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، احْرِصْ علَى ما يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ: لَو أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ»، والتَّفويضُ للّهِ بعدَ الأَخْذِ بالأسبَابِ هو مَحْضُ التَّوَكُّلِ والتَّسْلِيمِ، قال تعالى: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 3].

ــ والواجب الثّالثُ: تنظيمُ الأوقَاتِ واستغلَالُ الفَرَاغِ، فعندَ التَرمذيِّ بسندِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ»؛ ولقد اسْتَقَرَّ في ثَقَافَةِ المسْلمِ أنَّ الوَقْتَ هو الحَيَاةُ، وأنّ الإنْسَانَ إنّما هوَ أَيَّامٌ ؛ إذا انْقَضَى يوْمُكَ فَقَدِ انْقَضَى بَعْضُكَ، إنَّ هذَا الوَقْتَ الذي يَتَفَلَّت من بَيْنِ أيدِينَا بِسُرْعَةٍ؛ هو رَأْسُ مَالِنَا، وَمنَ العَجِيبِ أنَّ النَّاسَ بِقَدْرِ شَكْوَاهُمْ منْ سُرْعَةِ جَرَيَانِه وانْقضَائِهِ بقَدْرِ ما يُضَيِّعُهُ أكثَرُهُمْ فيما لا يُفِيدُ ولا يُغْنِي شيئًا.

والحَقُّ أنّهُ بِقَدْرِ شُعُورِكَ بسُرْعَةِ الوَقْتِ بقَدْرِ مَا يَنْبَغِي عليكَ المسَارَعَةُ إلى الخَيْرِ والتَّشَدُّدِ مع النَّفْسِ في إِنْفَاقِهِ، بلْ منَ الحكمَةِ والنَّبَاهَةِ أنْ تَضَعَ بَرنَامَجًا يَوْمِيًّا أو أسبوعِيًّا تُدِيرُ بهِ أوقَاتَ فَرَاغِكَ، وتَرصُدَ فيه ما يَهُدِرُ وَقْتَكَ الذي بِضَيَاعِهِ تَضِيعُ حَيَاتُكَ، لا سَمَحَ اللّهُ، فلا تكونَ حينئِذٍ مِمَّنْ قال في حقِّهِمْ البارِي سبحانَهُ: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون: 99 ــ 100].

جعلنِي اللّهُ وإيَّاكُمْ مِمَّنْ ينتبهونَ مِنَ الغَفَلَاتِ قَبْلَ المَمَاتِ، ويغتنمونَ دَقَائِقَ الأَوْقَاتِ في فِعْلِ المَبَرَّاتِ.

أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ اللّهَ العظيمَ لي ولكم، فاستغفرُوهُ تجدُوهُ غفورًا رحيمًا.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للّهِ وسَلَامٌ على عبادِهِ الذين اصْطَفَى، وأشْهَدُ أن لا إله إلّا اللّهُ وحْدَهُ لا شريك له، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبْدُهُ ورسولُهُ، اللّهمَّ صَلِّ وسَلِّمْ عليه، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين إلى يومِ الدِّينِ؛ أمّا بعد:

أيُها الأحبابُ: الوَاجِبُ الرّابِعُ: هو التَّوَازُنُ بينَ العَمَلِ للدُّنْيَا والعَمَلِ للآخِرَةِ، فمن المُهِمِّ جِدًّا للإنْسَانِ وهو يَضَعُ خُطَّتَهُ للعَامِ القَابِلِ، أنْ يُوَازِنَ بين مُتَطَلَّبَاتِ الحَيَاةِ وَوَاجِبَاتِهَا والتزَامَاتِهَا، وبيْنَ العَمَلِ لِلدَّارِ الآخِرَةِ ومقتضيَاتهَا، والحَقُّ؛ أنَّ العَمَلَ للدُّنيَا إذا كان بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ فَلَسَوْفَ يَنَالُ بهِ أَجْرًا في آخِرَتِهِ أَيًّا ما كان دَوْرُهُ في الحَيَاةِ، بَيْدَ أنَّ الآخِرَةَ لها أَعْمَالٌ مخصوصَةٌ، كَأَدَاءِ العبادَاتِ والتَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ، والأورَادِ، وتربيَةِ الأولَادِ، وإصلَاحِ النَّفْسِ وتهذيبِ أخلاقِهَا ونحوِ ذلكَ منَ الوَاجبَاتِ التي تَقْتَضِي بَرْنَامَجًا بِإِزائِهَا، حتّى لا يَغْرَقَ في الدُّنْيَا ويَنْقطِعَ عنْ آخرَتِهِ، بلْ لا بُدَّ منْ حَدٍّ وَسَطٍ بينَ ذلك، وشَريعَتُنَا الغَرَّاءُ تُعَلِّمُنَا الاتِّزَانَ والاعْتِدَالَ في كُلِّ الأُمُورِ، قال تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) [البقرة: 143].

وقال أيضًا: (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) [القصص: 77]، فليسَ من الكِيَاسَةِ الانْقِطَاعُ لِلدُّنْيَا وإِهْمَالُ الآخِرَةِ، ولَيْسَ مَطْلُوبًا البَتَّةَ من المُسْلِمِ أنْ يَنْقطَعَ لآخرَتِهِ ويُهْمِلَ دُنْيَاهُ، قال تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

وفي الأخيرِ يجدُرُ بنا أن ننبّهَ إخوانَنَا وأخواتنَا في نهايَةِ هذا العَامِ، إلى خطورَةِ احتفالَاتِ آخِرِ السَّنَةِ الميلادِيَّةِ، التي ليست من أعيَادِ المسلمين ولا من عوائِدِهِمْ، وما يحدُثُ فيها من صَخَبٍ ومُجُونٍ واستهلَاكٍ للمسكرَاتِ واستباحَةٍ للموبقَاتِ، واعتداءَاتٍ على الآمنين، وهذا لا يَمُتُّ إلى دينِنَا ولا الى عوائِدِنَا بِصِلَةٍ.

فأعيادُنَا أعيادٌ تُعَظَّمُ فيها شعائِرُ اللّهِ وينتشِرُ فيها الأمْنُ والسّكينَةُ والتّسامُحُ وجميلُ الخِصَالِ، وعلى هذا فلا يلِيقُ بالمسلِمِ المعتَزِّ بدينِهِ أن يشارِكَ في هذه الأعيَادِ التي يُعْصَى فيهَا اللّهُ تعالى، وقد أكرمَنَا اللّهُ بشريعتِهِ الغّرَاءِ، وشَرَعَ لنا فيها من المَوَاسِمِ والأعيَادِ ما يُغْنِينَا عن أعيادِ اليهودِ والنَّصَارَى ويكفينَا عن تقليدِ من لا خَلَاقَ لهم.

وسيّدُنَا عيسى عليه السّلامُ بريءٌ ممّا يفعلُهُ النّصارى وأتباعُهُمْ، وقد قال تعالى في كتابِهِ العزيزِ: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [المائدة: 117].

أسأَلُ اللّهَ تعالى أن يَخْتِمَ بالبَاقِيَاتِ الصَّالحَاتِ أَعْمَالَنَا، ويجْعَلَ يَوْمَنَا خَيْرًا من أَمْسِنَا، وأن يَجْعَلَ غَدَنَا خَيْرًا من يَوْمِنَا.

اللَّهُمَّ أَحْسِنْ عَاقِبَتَنَا في الأُمُورِ كُلِّهَا، وَأَجِرْنَا رَبَّنَا من خِزْيِ الدُّنيَا وعَذَابِ الآخِرَةِ، وتَوَفَّنَا مسلمينَ.

اللَّهُمَّ إِنَّا نسألُك إيمَانًا كَامِلًا، ويَقِينًا صَادِقًا، وقَلبًا خَاشِعًا، ولِسَانًا ذَاكِرًا، وتَوْبَةً قبْلَ المَوْتِ، ورَاحَةً عند المَوْتِ، والعَفْوَ عند الحِسَابِ.

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ، ما عَلِمْنَا مِنْهُ وَما لَمْ نَعْلَمْ، ونَعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرّ كُلِّهِ، ما عَلِمْنَا مِنْهُ وَمَا لَمْ نَعْلَمْ، ونسألُكَ الجَنَّةَ وَما قَرّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ، ونعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إلَيْها مِنْ قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ.

اللَّهُمَّ إنَّا نَسْألُكَ في عامنا الجدِيدَ أن تباركَ لنا في أولادِنَا وأرزاقنَا وصحَّتِنَا وأوقاتِنَا، اجعلْهُ زيادَةً لنا في كلِّ خيرٍ.

اللَّهُمَّ اجمَعْ كلِمَةَ المسلمينَ على الهُدَى، ووحِّدْ صفوفَهُمْ، وألْزِمْهُمْ كلمَةَ التَّقْوَى، وأبْدِلْ ضعفَهمْ قُوَّةً وعِزًّا، اللَّهمَّ آمِنَّا في أَوطَانِنَا، وأَصلِحْ وُلَّاةَ أَمْرِنَا.

اللَّهُمَّ كُنْ لإخوَانِنَا في فلسطِينَ عَوْنًا ونصيرًا، اللَّهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَهُمْ، وقَوِّ عَزَائمَهُمْ، واقْبلَ شُهَدَاءَهُمْ، اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَهُمْ، واخْذُلْ مَن خَذَلَهُمْ، وانْصُرْ منْ نَصَرَهُمْ،

اللّهمّ آمينَ.

وصَلِّ اللَّهُمَّ وسَلِّمْ على عبدِكِ ورسولِكِ محمَّدٍ، وعلى آل بيتِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ، وأصحابِهِ الهُدَاةِ المَهْدِيِينَ، والتّابعينَ ومن تَبِعَهُمْ بإِحْسَانٍ إلى يَوْمِ الدِّينِ.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.