Scroll Top

خطبة الجمعة: (إِلاَّ مَنْ أتَى الله بِقلبٍ سَلِيم)

الخطبة الأولى

الحمدُ للّهِ الذي طَهَّرَ قُلُوبَ المؤمنينَ، وجَعَلَ سَلَامَةَ الصَّدْرِ من أَعْظَمِ أسبَابِ النَّجَاةِ يومَ الدِّينِ، أحمدُهُ سبحانَهُ وأشكُرُهُ على نعمِهِ وآلائِهِ، وأشهَدُ أن لا إلهَ إلّا اللّهُ وحدَهُ لا شريكَ له، القَائِلُ سبحانَهُ: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنَ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88 ــ 89]، وأشهَدُ أنَّ سيِّدَنَا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ، المبعوثُ رحمَةً للعالمينَ، صلَّى اللّهُ وسلَّم عليه، وعلى آلِهِ وصحابتِهِ أجمعين، وارْضَ اللّهمّ عن الخلفَاءِ الرّاشدينَ، وعن التّابعينَ ومن تَبِعَهُمْ بإحسَانٍ إلى يومِ الدِّينِ، وعَنَّا معهم بعفوِكَ وَجُودِكَ وكَرَمِكَ يا أَرْحَمَ الرّاحمينَ؛ أمّا بعدُ:

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ، أَيَّتُهَا الْأَخَوَاتُ: خُلُقٌ عظيمٌ من أخلَاقِ الإسلَامِ، خُلُقٌ يُطهِّرُ النّفوسَ، ويجمَعُ القلوبَ، ويحقِّقُ للمسلِمِ السّعادَةَ في الدُّنْيَا والآخرَةِ، إنَّهُ خُلُقُ «سَلَامَةِ القَلْبِ»، التي تعني نَقَاءَ القلبِ من الحِقْدِ والغِلِّ والحَسَدِ والبغضَاءِ وسوءِ الظَّنِّ بالآخرين، فقد روى ابن مَاجَهْ عن عبدِ اللّهِ بن عَمْرُو رضي اللّهُ عنهما قال: «قِيلَ لِرسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: كلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقُ اللِّسَانِ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا حَسَدَ»، وسُئِلَ الإمامُ التّابعيُّ ابنُ سيرينَ رحمَهُ اللّهُ: «مَا القَلْبُ السَّلِيمُ؟ فَقَالَ: النَّاصِحُ للَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي خَلْقِهِ»، أي: لَا غِشَّ فيه ولا حَسَدَ ولا غِلَّ.

أُمَّةَ الْخَيْرِ: إنَّ المُسْلِمَ يُحِبُّ الخَيْرَ لإخْوَانِهِ كما يُحِبُّ لنفسِهِ، ويَتَمَنَّى لهم السَّعَادَةَ والتّوفِيقَ، فقد قَالَ اللّهُ تعالى في وَصْفِهِمْ: (رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، وقال النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ»، وفي هذا المعنى يقول الإمامُ ابنُ القّيِّمِ رحمَهُ اللّه: «سَلَامَةُ الصَّدْرِ تُنْشِئُ التَّآلُفَ، وتُزيلُ أسبَابَ الوحشَةِ والفُرْقَةِ بينَ المسلمينَ، وهي دليلٌ على كَمَالِ الإيمَانِ وصِدْقِ الإحْسَانِ وكما أنَّ المسلِمَ لا يُحِبُّ أن يتحدَّثَ النّاسُ عَنْهُ في غيبتِهِ بسوءٍ، فعليهِ أن يُحِبَّ ذلكَ لإخوانِهِ المؤمنينَ، وهذا نبيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُرْشِدُ أصْحَابَهُ إلى تَرْكِ ما يُؤَثِّرُ في سَلَامَةِ الصَّدْرِ، فقد رَوَى أبو داودَ عن عبدِ اللّهِ بنِ مسعودٍ رضي اللّهُ عنه قال: قال رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»، وقد تَرْجَمَ أَفَاضِلُ هذه الأمَّةِ هذا القَوْلَ إلى وَاقِعٍ عَمَلِيٍّ تعبُّدًا للّهِ ومحبَّةً لرسولِ اللّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، فقد دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ رحمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَذَكَرَ لَه عَنْ رَجُلٍ شَيْئًا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنْ شِئْتَ نَظَرْنَا فِي أَمْرِكَ، فَإِنْ كُنْتَ كَاذبًا فَأَنْتَ منْ أَهْلِ هَذِهِ الآيَةِ: (إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) [الحجرات: 6]، وَإِنْ كنْتَ صَادقًا فَأَنْتَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ [القلم: 11]، وَإِنْ شِئْتَ عَفَوْنَا عَنْكَ، فَقَالَ: العَفْوَ، يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَا أَعُودُ إِلَيْهِ أَبَدًا»، فلو كان كُلُّ رَاعٍ على هذا المِنْوَالِ لَمَا وَجَدْنَا من يُفْسِدُ في مجتمعَاتِنَا، ولَأَغْلَقْنَا أَبْوَابَ الشَّرِّ التي عَطَّلَتْ مَصَالِحَ النَّاسِ، وخَرَّبَتْ المؤَسَّسَاتِ، ودَمَّرَتْ الأُسَرَ، وفَرَّقَتْ الأصْحَابَ.

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ: إنَّ لسَلَامَةِ الصَّدْرِ ثَمَرَاتٍ جليلَةً عظيمَةً، دينيَّةً ودنيويَّةً، فهي سَبَبٌ لدُخُولِ الجَنَّةِ والتَّمَتُّعِ بنعيمِهَا، فقد أَخرَجَ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ من حدِيثِ عبدِ اللّهِ بنِ عَمْرٍو رضي اللّه عنهما قال: قال عليهِ الصّلاةُ والسّلامُ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَطَلعَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، تَكَرَّرَ ذَلكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَأَحَبَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رضي اللّهُ عنهما أَن يَعْرِفَ خَبِيئَةَ هَذَا الرَّجُلِ، فَبَاتَ عِنْدَهُ ثَلَاثًا فَلَمْ يَرَهُ كَثِيرَ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ سِرِّ ذَلكَ قَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعَطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا تُطَاقُ»،

واعلموا ــ أيّها المؤمنون ــ أنّ سَلَامَةَ الصَّدرِ سَبَبٌ لِقَبُولِ الأعمَالِ، فقد روى مسلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللَّهُ عنه أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْإِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا»، وهذا دَلِيلٌ على أنَّ الشَّحْنَاءَ تَمْنَعُ المَغْفِرَةَ، بينما سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ لرضَا اللَّهِ وَقَبولِ الأَعْمَالِ؛ وسَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ من أَسْبَابِ السَّعَادَةِ الحَقِيقِيَّةِ، السَّعَادَةُ التي لا تُنَالُ بِالمَالِ ولا بِالمَنَاصِبِ، بل بِنَقَاءِ القَلْبِ، كما بيَّنَ ذلك سَيِّدُ الكائِنَاتِ عليه الصّلاةُ والسّلامُ، ففي صحيحِ مسلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضِيَ اللَّهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ».

وسلامَةُ الصَّدْرِ تُحقِّقُ القُرْبَ من اللّهِ، لأنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ يُحِبُّ القُلُوبَ النَّقِيَّةَ الطَّاهِرَةَ، فقد قال النّبيُّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ»؛ وسَلَامَةُ الصَّدْرِ تُؤَدِّي إلى تَرَابُطِ المجتمَعِ وانتشَارِ المَحَبَّةِ بين أفرادِهِ، فَتَزُولُ الضَّغَائِنُ التي تُفَرِّقُ القُلُوبَ، وصَدَقَ اللّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) [آل عمران: 103]، وهَذَا الشُّعُورُ لا يَتَحَقَّقُ إلّا بقُلُوبٍ سليمَةٍ خاليَةٍ من الضَّغَائِنِ؛ وسَلَامَةُ الصَّدْرِ من أَسْبَابِ رَفْعِ البَلَاءِ عن المجتمَعِ، لأنَّ البَغْضَاءَ والعَدَاوَةَ من أَهَمِّ أَسْبَابِ نزولِ البَلَاءِ، قال اللّهُ تعالى: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) [الأنفال: 46]، والتَّنَازُعُ غَالِبًا ما يكُونُ سَبَبُهُ ضَغَائِنَ في القُلُوبِ، فإذا صَفَتِ القُلُوبُ ارْتَفَعَ النِّزَاعُ وَعَمَّ الخَيْرُ، وقد قال بعضُ السَّلَف: «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ سَلَامَةُ الصُّدُورِ وَسَخَاوَةُ النُّفُوسِ»، وقال الإمَامُ الحَارِثُ المحاسِبِيُّ رحمَهُ اللّهُ: «لَا أَنْوَرَ لِلْقَلْبِ مِنْ سَلَامَةِ الصَّدْرِ».

نَسْأَلُ اللّهَ أن يُطَهِّرَ قُلُوبَنَا، ويُصْلِحَ أَحْوَالَنَا، وأن يَجْعَلَنَا من عِبَادِهِ الذين يَأْتُونَهُ يَوْمَ القِيَامَةِ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ. إنَّهُ ولِيُّ ذلكَ والقَادِرُ عليهِ.

بَارَكَ اللّهُ لي ولكم في القرآنِ العَظِيمِ، ونَفَعَني وإيَّاكُمْ بما فيه من الآيَاتِ والذِّكْرِ الحَكِيمِ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وأستَغِفِرُ اللّهَ العَظِيمَ لِي ولكم، فاستَغفِرُوهُ إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الخطبة الثانية

الحَمْدُ للّهِ الذي بنعمَتِهِ تَتِمُّ الصّالحَاتِ، الحَمْدُ للّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، حَمْدًا كما ينبغي لجَلَالِ وَجْهِهِ وعَظِيمِ سُلْطَانِه، وأشهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللّهُ وحدَهُ لا شَريكَ له، وأشهَدُ أنّ سيِّدَنَا محمَّدًا عَبْدُ اللّهِ ورسولُهُ، نَشْهَدُ أَنَّهُ بلَّغَ الرّسَالَةَ، وأَدَّى الأَمَانَةَ، ونَصَحَ للأمَّةِ، وجَاهَدَ في اللّهِ حَقَّ جهَادِه، حتّى أَتَاهُ اليقينَ، صَلَوَاتُ اللّهِ وسَلَامُهُ عليهِ، وعلى آلِهِ وأصحابِهِ أجمعين؛ أمّا بعد:

أيّها المؤمنون والمؤمنات: إنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ تُطفِئُ نَارَ الخِلَافِ، وتحفَظُ البيوتَ من التَّصَدُّعِ، وتجمَعُ بين القُلُوبِ، وتُوَحِّدُ بين الصُّفُوفِ، فكم من عائلَةٍ تَفَكَّكَتْ بِسَبَبِ أَحْقَادٍ دفينَةٍ، وكم من صَدَاقَةٍ قُطعَتْ بسَبَبِ غِلٍّ في الصَّدْرِ، وكم من صفُوفٍ تَفَرَّقَتْ بِسَبَبِ خُصُومَةٍ أَوْ شَحنَاءَ وبغضَاءَ لا مبرِّرَ لها، إنّ دينَنَا الحَنِيفَ يفرِضُ علينا فَرْضًا مُؤَكَّدًا أن نكونَ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ كما كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الذين مَدَحَهُمْ اللّهُ تَعَالَى فقال: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، وذَكَّرَهُمْ بأَعْظَمِ مِنَّةٍ مَنَّهَا عليهم وهي جَمْعُ كَلِمَتِهِمْ وَتَأْلِيفُ قُلُوبِهِمِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) [الأنفال: 63]، وحَذَّرَهُمْ فقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) [آل عمران: 105]، ففي ظِلِّ الجماعَةِ والوحدَةِ، تتحقَّقُ الفوائِدُ وتُجْنَى الثّمَارُ، وفي ظلمَاتِ الفرقَةِ والخِلَافِ تَتَبدَّدُ الجهودُ وتضيعُ المَنَافِعُ والثَّمَرَاتُ.

عبادَ اللَّهِ. لقد آنَ لنا أن نعتبِرَ بأحوَالِ السّالفين؛ فنتذكَّرُ ونذكِّرُ: بأنّ الوَاجِبَ على كُلِّ وَاحِدٍ منّا أن يبسُطَ يَدَهُ لأخيهِ، نَقِيَّةً طَاهِرَةً، ليلتَقِيَ الجميعُ في ساحَةِ الأخوَّةِ الصَّادِقَةِ، وفي ظِلَالِ التَّعَاوُنِ والتَّضَامُنِ الحَقِيقِيِّ، حيثُ يَتَسَاوَى الجميعُ في حَقِّ الحَيَاةِ دونَ تَفْرِقَةٍ أو تَمْيِيزٍ.

إنّ أُمَّتَنَا الجزائريَّةَ قد وَحَّدَهَا الإسلَامُ بعد فُرْقَةٍ وشَتَاتٍ وتَنَافُرٍ، وجَمَعَ شَمْلَهَا بعد تَقَاطُعٍ وتَدَابُرٍ، وأَعْلَى شَأْنَهَا بعد ضَعْفٍ وهَوَانٍ، فصارت وَطَنًا وَاحِدًا يَسَعُ الجَمِيعَ، يعيشُ أَهْلُهُ في أُلْفَةٍ صَادِقَةٍ وإِخَاءٍ خَالِصٍ، وفي وِفَاقٍ وَوِئَامٍ ومَوَدَّةٍ والْتِئَامٍ، وما كان إلّا الإسلَامُ القَادِرَ على جَمْعِ القُلُوبِ المتنافِرَةِ، بعد طُولِ فُرْقَةٍ وخِصَامٍ، وسَيَبْقَى الإسلَامُ قِوَامُ حَيَاتِنَا، وضَامِنُ وحدَتِنَا؛ إنّ اتّخَاذَنَا الإسلام أَسَاسًا لِوِحْدَتِنَا الوطنيَّةِ يُبَارِكُ هذه الوحدَةَ، ويُرْسِي قَوَاعِدَهَا، ويُحَصِّنُ أركانَهَا، إذ يجعَلُ قَضيَّةَ الوَطَنِ من صَمِيمِ العَقِيدَةِ، فَحُبُّ الوَطَنِ من الإيمَانِ، وما دَامَتْ الوحدَةُ الوطنيَّةُ قائمَةً على الإسلَامِ، فَسَيَظَلُّ بنَاؤُهَا شَامِخًا، لأنّ أَصْلَهَا ثَابِتٌ، وفَرْعَهَا في السَّمَاءِ، وكم حاول الاستِدْمَارُ البغِيضُ أن يفَرِّقَ كَلِمَةَ شَعْبِنَا ويَزْرَعَ فيه الفِتْنَةَ ويُثِيرَ الفُرْقَةَ والخِصَامَ ولم يَستَطِعْ، لأنّ ما جَمَعَتْهُ يَدُ اللّهِ لا تُفَرِّقُهُ يَدُ الشّيطَانِ، ولا يَزَالُ أعدَاءُ الجَزَائِرِ يحاولون باستمرَارٍ أن يثيروا الفِتَنَ ويُحَرِّكُوا أسْبَابَ التَّقَاطُعِ وأَعَاصِيرَ الشِّقَاقِ، ويُهَيِّجُوا العَصَبِيَّةَ لتمزِيقِ شَمْلِ الأمَّةِ، كما جاء وَصْفُهُمْ في القرآنِ الكريمِ، في قولِهِ تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ) [آل عمران: 118 ــ 119].

أيّهَا المؤمنون والمؤمنات: مَا أَعْظَمَ عنَايَةَ اللّهِ بالجَزَائِرِ، وَمَا أَعْظَمَ فَضْلَهُ بهذه الأُمَّةِ، إِذْ جَعَلَ الاجتمَاعَ والِائْتِلَافَ رُوحًا تسرِي في قُلُوبِ شَعْبِنَا الجزائِرِيِّ المسلِمِ، وأَكْرَمَنَا بِحُبِّ الوَطَنِ ولو تَبَاعَدَتْ الدِّيَارُ، وجَمَعَ بيننا بالأُخُوَّةِ فَتَشَابَكَتْ أيدينَا على التَّعَاوُنِ والتَّآزُرِ، فتَحَقَّقَ فينا قولُهُ تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) [آل عمران: 103]، وصَدَّ عَنَّا كَيْدَ الخَائِنِينَ وعُدْوَانَ الظَّالِمِينَ، فَفَرَّقَ شَمْلَهُمْ، وتَبَدَّدَتْ قِوَاهُمْ، فَكَانوا قَوْمًا بُورًا، كما قال تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ المُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].

وَصَدَقَ عَلَّامَةُ الجَزَائِرِ عبدُ الرّحمَانِ الثَّعَالبِيُّ رحمَهُ اللّهُ إذ يَقولُ:

إِنَّ الْجَزَائِرَ فِي أَحْوَالِهَا عَجَـــبٌ … وَلَا يَدُومُ بِهَا لِلنَّاسِ مَكْـرُوهُ

مَا حَلَّ عُسْرٌ بِهَا أَوْ ضَاقَ مُتَّسَعٌ … إِلَّا وَيُسْرٌ مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُوهُ

نسأَلُ اللّهَ أن يرزقَنَا قُلُوبًا سليمَةً، وأن يجعلَنَا من المتحابِّينَ فيه، وأن يَعْفُوَ عنَّا، ويرزقَنَا العَفْوَ عن النَّاسِ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ المَحَبَّةَ عُنْوَانَ قُلُوبِنَا، والتَّسَامُحَ شِعَارَ حَيَاتِنَا.

اللَّهُمَّ اجْمَعْ بين قُلُوبِنَا على طَاعَتِكَ، وأَلِّفْ بين أَرْوَاحِنَا بمَحَبَّتِكَ، وَوَفِّقْنَا للتَّعَاوُنِ على البِرِّ والتَّقْوَى.
اللَّهُمَّ طهِّرْ قُلُوبَنَا من النِّفَاقِ، وأَعْمَالَنَا من الرِّيَاءِ، وأَلْسِنَتَنَا من الكَذِبِ، وأَعْيُنَنَا من الخِيَانَةِ، وأَمْوَالَنَا من الحَرَامِ، وَوَفِّقْنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى.

أَدِمْ عَلَيْنَا نِعْمَةَ الأَمْنِ والاستقْرَارِ، واصْرِفْ عَنَّا كَيْدَ الكَائِدِينَ وحَسَدَ الحَاسِدِينَ.

اللَّهُمَّ انْصُرْ إِخْوْانَنَا المُسْتَضْعَفِينَ في فلسطينَ وفي كُلِّ مَكَانٍ، وكُنْ لهم نَاصِرًا ومعِينًا، وحَافِظًا وظَهِيرًا.

اللَّهُمَّ فَرِّجْ كَرْبَهُمْ، وَأَزِلْ هَمَّهمْ، وَارْفَعْ عنهم البَلَاءَ، واكْفِهِمْ شَرَّ الأَعْدَاءِ.

اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضَانَا وَارْحَمْ مَوْتَانَا وسَدِّدْ خُطَانَا.

اللَّهُمَّ وَفِّق وُلَّاةَ أُمُورِنَا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى وَخُذْ بِنَوَاصِيهِمْ لِلْبِرِّ وَالتَّقْوَى.

اللَّهُمَّ أَيّدْهُمْ بِالحَقِّ وَأَيِّدْ الحَقَّ بِهِمْ.

اللَّهُمَّ اسْقِنَا الغَيْثَ وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ.

اللَّهُمَّ غَيْثًا هَنِيئًا مَرِيئًا عَامًّا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ يَا رَبَّ العَالَمِينَ.

اللَّهُمَّ اغفِر لَنَا ذنوبَنَا، واستر عُيُوبَنَا، وتَجَاوَز عن خَطَايَانَا، واهدِنَا صِرَاطَكَ المستَقِيمَ.

عبادَ اللّهِ: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ.

للتصفح والتحميل:

جَامعُ الجزائر مركزٌ دينيّ، عِلميّ، ثقافيّ وسياحِيّ، يقعُ على تراب بلديّة المُحمَّديَّة بولاية الجزائر، وسط خليجها البحريّ. تبلغُ مساحته 300.000 متر مربّع، يضمّ مسجِدا ضخما للصّلاة، يسع لـ 32000 مصلٍ، وتصلُ طاقة استيعابِه إلى 120 ألف مصلٍ عند احتساب صحنه وباحَاته الخارجيّة.
قاعة الصّلاةِ وصحنها الفسـيح، جاءت في النّصوص القانونيّة المُنشِأة للجامع، تحتَ تسميةِ “الفضاء المسجدِيّ”.
ويضُمّ المجمّعُ هياكلَ أخرى ومرافقَ سُمّيت بالهَيئات المدمجة، ووجدت هـذه المرافق لتُساهم في ترسـيخِ قِيم الدّين الإسلاميّ من: قرآن منزّلٍ وسنّةِ مطهّرة على صاحبها أفضل الصّلاة وأتمّ التّسليم، وكذا للحِفاظ على المرجعيّة الدّينيّة الوطنيّة، بما يخدُم مكتسبات الأمّة ويحقّق التّواصل مع الغير.
وجامع الجزائر هـو معلم حضاريّ، بِهندسته الفَريدة، التي زَاوجـت بين عراقة العِمارة الإسلاميّة بطَابعها المغَاربيّ الأندلسيّ، وآخِر ابْتكارات الهندسة والبِناء في العالم، حيث حقّق عدّةَ أرقامٍ قيَاسيةٍ عالميةٍ في البناء.
فمن حيث الأبْعادُ الهنْدسيةُ، يُعدّ الجامع بين المساجد الأكبر والأضْخَم عبر العالم، بل هو ثالث أكبرِ مسجدٍ في العالم بعد الحرَمين الشريفَين بمكة المُكرّمَة والمدينَةِ المنوّرَة، وهو أكبر مساجد أفْريقيا على الإطلاق، فمساحة قاعة صلاته تبلغ 22 ألف متر مربع، وقُطر قبته 50 مترا، وفُرِش بـ 27 ألف متر مربع من السجّاد الفاخر المصنوعِ محليّا، وتزيَّنت الحوافّ العلويّة لجدرانه بـ 6 آلاف متر من الزّخرفة بمختلف خطوط الكتابة العربيّة.