الخطبة الأولى
الحمدُ للّهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَعَمَّتْ مَغْفِرَتُهُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ، وَيَفْرَحُ بِعَوْدَةِ التَّائِبِينَ وَيُبَدِّلُ خَطَايَا المُذْنِبِينَ حَسَنَاتٍ؛ نَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي لَا تُعَدُّ، وَنَشْكُرُهُ عَلَى عَطَايَاهُ الَّتِي تَتَوَالَى بِلَا حَدٍّ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَرْفَعُ صَاحِبَهَا إِلَى أَعْلَى سَنَدٍ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَكْرَمَهُ رَبُّهُ بِالفَضْلِ وَالمَدَدِ، وَبَعَثَهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَانَ لِلْحَقِّ خَيْرَ سَنَدٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنْ تَبِعَ هُدَاهُ وَاسْتَمْسَكَ بِعُرْوَتِهِ إِلَى يَوْمِ الوَعْدِ، أَمَّا بَعْدُ:
عِبَادَ اللّهِ: رَمَضَانُ شَهْرٌ عَظِيمٌ مَلِيءٌ بِالْخَيْرَاتِ، جَعَلَهُ اللَّهُ فُرْصَةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فِيهِ تُغْفَرُ الذُّنُوبُ وَتُسْتَرُ العُيُوبُ، وَتُمْحَى السَّيِّئَاتُ وَتَكْثُرُ الحَسَنَاتُ، وَتُقَالُ العَثَرَاتُ وَتُرْفَعُ الدَّرَجَاتُ، فَهُوَ شَهْرُ الرَّحْمَةِ وَالمَغْفِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، وَفِيهِ لَيْلَةُ القَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، كَمَا أَنَّ صِيَامَ نَهَارِهِ وَقِيَامَ لَيْلِهِ سَبَبٌ لِمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَقَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وَقَالَ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
وَالمَغْفِرَةُ الَّتِي نَرْجُوهَا مِنَ اللَّهِ ــ أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ ــ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلِمَةٍ يَقُولُهَا لَنَا، بَلْ تَعْنِي أَنَّهُ سَيَسْتُرُ ذُنُوبَنَا وَلَا يُؤَاخِذُنَا عَلَيْهَا، وَالمَغْفِرَةُ رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ يُمْنَحُهَا لِمَنْ أَخْطَأَ ثُمَّ تَابَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ بِصِدْقٍ، فَيَغْفِرُ لَهُ وَيَمْحُو ذُنُوبَهُ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْهَا، فَالمَغْفِرَةُ تَقِي الإِنْسَانَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَتُزِيلُ أَثَرَ الذُّنُوبِ، وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ ذُنُوبَهُمْ كَبِيرَةٌ لَا يُمْكِنُ أَنْ تُغْفَرَ، لَكِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاسِعَةٌ، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر: 53].
وَقَدْ أَحْسَنَ القَائِلُ حَيْثُ قَالَ:
أَسِيرُ الْخَطَايَا عِنْدَ بَابِـــكَ وَاقِــــــــــــــفُ عَلَى وَجَلٍ مِمَّا بِـــهِ أَنْتَ عَـــــــــــارِفُ
يَخَافُ ذُنُوبًا لَمْ يَغِبْ عَنْـــكَ غَيْبُـــــــهَا وَيَرْجُوكَ فِيهَا وَهُوَ رَاجٍ وَخَـــائِـــــفُ
وَمَنْ ذَا الَّذِي يُرْجَى سِـــوَاكَ وَيُتَّــــقَى وَمَالَكَ فِي فَصْلِ الْقَضَاءِ مُخَـــالِــفُ
فَيَا سَيِّدِي لَا تُخْـــزِنِي فِي صَحِيفَتِــي إِذَا نُشِرَتْ يَوْمَ الْحِسَابِ الصَّحَائِفُ
وَكُنْ مُؤْنِسِي فِي ظُلْمَةِ الْقَبْرِ عِنْدَمَا يَصُدُّ ذَوُو الْقُرْبَى وَيَجْفُو الْمُـــوَالِفُ
لَئِنْ ضَاقَ عَنِّي عَفْوُكَ الْوَاسِعُ الَّذِي أُرَجِّي لِإِسْـــــــــــــرَافِي فَإِنِّي لَتَالِـــــــــفُ
فَهَنِيئًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَقَدْ غُفِرَتْ ذُنُوبُهُ، وَسُتِرَتْ عُيُوبُهُ، وَمُحِيَتْ سَيِّئَاتُهُ، وَكُفِّرَتْ خَطَايَاهُ.
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: لَقَدْ قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرَ رَمَضَانَ إِلَىٰ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، فَقَدْ وَرَدَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَالبَيْهَقِيُّ عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ، وَأَوْسَطُهُ مَغْفِرَةٌ، وَآخِرُهُ عِتْقٌ مِنَ النَّارِ».
وَهَا نَحْنُ الآنَ فِي أَيَّامِ المَغْفِرَةِ، فَمَنْ فَاتَتْهُ الفُرْصَةُ فِي الأَيَّامِ المَاضِيَةِ، فَلَا يَزَالُ أَمَامَهُ وَقْتٌ لِيُعَوِّضَ مَا فَاتَهُ، وَمَنْ كَانَ مُتَهَاوِنًا، فَلْيُبَادِرْ بِالِاجْتِهَادِ، فَهَذِهِ أَيَّامُ المَغْفِرَةِ، وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ يُنَادِي كُلَّ لَيْلَةٍ: «هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ فَأَغْفِرَ لَهُ؟ هَلْ مِنْ تَائِبٍ فَأَتُوبَ عَلَيْهِ؟ هَلْ مِنْ سَائِلٍ فَأُعْطِيَهُ؟».
فَيَا مَنْ أَثْقَلَتْهُ الذُّنُوبُ، لَا تُفَوِّتْ هَذِهِ الفُرْصَةَ، وَيَا مَنْ أَسْرَفَ عَلَىٰ نَفْسِهِ، بَادِرْ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ البَابُ، وَيَا مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ رَكْبِ العَائِدِينَ، لَا يَزَالُ الطَّرِيقُ مَفْتُوحًا وَأَبْوَابُ المَغْفِرَةِ مُشْرَعَةٌ.
وَمِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ المَغْفِرَةِ الِاسْتِغْفَارُ وَالدُّعَاءُ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ، وَهُوَ المَعْصُومُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَكَيْفَ بِنَا نَحْنُ الْمُذْنِبِينَ؟ وَقَدْ عَلَّمَنَا دُعَاءً عَظِيمًا نَقُولُهُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».
وَمِنْ أَبْوَابِ المَغْفِرَةِ التَّوْبَةُ الصَّادِقَةُ، فَهِيَ مِفْتَاحُ الرَّحْمَةِ وَسَبِيلُ النَّجَاةِ، إِذْ يُحِبُّ اللَّهُ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ، وَمَهْمَا عَظُمَتِ الذُّنُوبُ وَتَكَاثَرَتِ الخَطَايَا، فَإِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ أَوْسَعُ، يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصَّادِقَةَ بِكَرَمِهِ، وَيَغْفِرُ لِلْعَبْدِ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِ بِقَلْبٍ مُنْكَسِرٍ وَنَفْسٍ نَادِمَةٍ، قَالَ تَعَالَى: (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى) [طه: 82].
وَمَا أَعْظَمَ فَرْحَةَ اللَّهِ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ، إِذْ لَا يَرُدُّهُ خَائِبًا، بَلْ يُكْرِمُهُ وَيُبَدِّلُ سَيِّئَاتِهِ حَسَنَاتٍ، فَالمُبَادَرَةُ بِالتَّوْبَةِ وَاجِبَةٌ قَبْلَ أَنْ يُغْلَقَ بَابُ المَغْفِرَةِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَنَالَ الْعَفْوَ الْإِلَهِيَّ، فَلْيَكُنْ قَلْبُهُ طَاهِرًا، لَا يَحْمِلُ غِلًّا وَلَا حِقْدًا، وَلْيَغْفِرْ لِلنَّاسِ كَمَا يُحِبُّ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مِنْبَرِهِ يَقُولُ: «ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ».
وَمِنْ أَعْظَمِ أَبْوَابِ المَغْفِرَةِ الْإِكْثَارُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَهِيَ تُطَهِّرُ الْقَلْبَ وَتَمْحُو الخَطَايَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّـئاتِ) [هود: 114]، فَالصَّلَاةُ نُورٌ، وَالقُرْآنُ شِفَاءٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَبِرُّ الوَالِدَيْنِ مِفْتَاحٌ لِلْخَيْرِ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ سَبَبٌ لِلْبَرَكَةِ، وَإِفْشَاءُ السَّلَامِ وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ دَلِيلٌ عَلَى الإِيمَانِ، وَالأَمْرُ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ سَبِيلٌ لِصَلَاحِ الأُمَّةِ، فَهَذِهِ الأَعْمَالُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ عِبَادَاتٍ، بَلْ هِيَ أَبْوَابٌ وَاسِعَةٌ لِلْمَغْفِرَةِ، مَنْ سَلَكَهَا نَالَ عَفْوَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ.
أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ: اعْلَمُوا أَنَّ هُنَاكَ أَعْمَالًا تَفْتَحُ أَبْوَابَ المَغْفِرَةِ، فَهُنَاكَ أَيْضًا مَوَانِعُ تَحْجُبُهَا عَنِ العَبْدِ، وَأَعْظَمُهَا الإِصْرَارُ عَلَى الذَّنْبِ، فَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ ثُمَّ لَا يَتُوبُ، فَقَدْ أَغْلَقَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ المَغْفِرَةِ، فَاللَّهُ يَغْفِرُ لِلتَّائِبِينَ، أَمَّا المُتَكَبِّرُونَ المُعَانِدُونَ، فَلَيْسَ لَهُمْ إِلَّا العِقَابُ، وَمِنْ أَخْطَرِ المَوَانِعِ الظُّلْمُ وَأَكْلُ حُقُوقِ العِبَادِ، فَإِنَّ اللَّهَ يَعْفُو عَنْ حُقُوقِهِ إِذَا شَاءَ، لَكِنَّهُ لَا يَغْفِرُ مَظَالِمَ العِبَادِ إِلَّا إِذَا سَامَحُوا بِأَنْفُسِهِمْ، وَكَذَلِكَ القَلْبُ المَلِيءُ بِالبَغْضَاءِ وَالخِصَامِ، فَهُوَ سَبَبٌ لِحَبْسِ الْمَغْفِرَةِ، فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ عَلَى اللَّهِ كُلَّ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ»، فَاحْذَرْ أَنْ تَحْرِمَ نَفْسَكَ الْمَغْفِرَةَ بِسَبَبِ ظُلْمٍ أَوْ حِقْدٍ أَوْ إِصْرَارٍ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَبَابُ التَّوْبَةِ مَفْتُوحٌ، لَكِنْ لَا أَحَدَ يَضْمَنُ مَتَى يُغْلَقُ.
عِبَادَ اللَّهِ: هَا هِيَ أَيَّامُ المَغْفِرَةِ تَمْضِي سَرِيعًا، فَاغْتَنِمُوهَا قَبْلَ أَنْ تُطْوَى الصَّحَائِفُ، وَلْيَكُنْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا خَلْوَةٌ مَعَ نَفْسِهِ، يَتَفَكَّرُ فِي ذُنُوبِهِ، وَيَسْأَلُ نَفْسَهُ: هَلْ أَنَا مِمَّنْ سَتُغْفَرُ ذُنُوبُهُ؟ أَمْ سَأَخْرُجُ مِنْ رَمَضَانَ كَمَا دَخَلْتُهُ؟ لَا تَجْعَلُوا رَمَضَانَ يَمْضِي دُونَ أَنْ تَخْرُجُوا مِنْهُ بِصَكِّ المَغْفِرَةِ، فَإِنَّ العَاقِلَ مَنْ اسْتَثْمَرَ الفُرْصَةَ قَبْلَ فَوَاتِ الأَوَانِ.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنَا مِنَ التَّائِبِينَ المَقْبُولِينَ، وَأَنْ يُعْتِقَ رِقَابَنَا وَرِقَابَ آبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا مِنَ النَّارِ، وَأَنْ يَرْزُقَنَا مَغْفِرَةً تَامَّةً، لَا تُبْقِي ذَنْبًا وَلَا تُخَلِّفُ أَثَرًا، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية
الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ، فَتَحَ لِعِبَادِهِ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ، وَكَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ المَغْفِرَةَ، فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ تَلَقَّاهُ، وَمَنْ اسْتَغْفَرَهُ غَفَرَ لَهُ، وَمَنْ تَابَ قَبِلَهُ بِكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً تَعْمُرُ القُلُوبَ بِالإِيمَانِ، وَتَفْتَحُ أَبْوَابَ الرِّضْوَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ اللَّهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، فَكَانَ بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفًا رَحِيمًا، دَلَّهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّجَاةِ، وَأَرْشَدَهُمْ إِلَى طَرِيقِ المَغْفِرَةِ، فَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَمَنْ اقْتَفَى أَثَرَهُ، وَسَارَ عَلَى هَدْيِهِ، إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ:
أَيُّهَا الأَحِبَّةُ: إِنَّ لِلْمَغْفِرَةِ ثِمَارًا عَظِيمَةً تَعُودُ عَلَى العَبْدِ فِي دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ، وَأَوَّلُهَا رَاحَةُ القَلْبِ وَسَكِينَةُ النَّفْسِ، فَالمُذْنِبُ يَعِيشُ فِي قَلَقٍ وَاضْطِرَابٍ، يَخْشَى عَوَاقِبَ ذُنُوبِهِ، وَيَشْعُرُ بِثِقَلِ المَعَاصِي عَلَى صَدْرِهِ، أَمَّا إِذَا تَابَ وَاسْتَغْفَرَ، أَزَالَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا الحِمْلَ، وَاسْتَبْدَلَهُ بِرَاحَةٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا مَنْ ذَاقَهَا، فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) [الزمر: 22].
وَإِذَا نَالَ العَبْدُ مَغْفِرَةَ اللَّهِ، فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الرِّزْقِ وَالخَيْرِ، وَسَاقَ اللَّهُ إِلَيْهِ البَرَكَةَ فِي حَيَاتِهِ، وَأَصْلَحَ لَهُ شَأْنَهُ، فَقَدْ وَعَدَ اللَّهُ المُسْتَغْفِرِينَ بِالتَّوْسِعَةِ فِي أَرْزَاقِهِمْ وَزِيَادَةِ خَيْرَاتِهِمْ، فَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِقَوْمِهِ: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا) [نوح: 10 ــ 12].
وَمِنْ أَعْظَمِ ثِمَارِ المَغْفِرَةِ أَنَّهَا الطَّرِيقُ إِلَى الجَنَّةِ وَالنَّجَاةِ مِنَ النَّارِ، فَلَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ وَحْدَهُ، بَلْ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ، قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ».
فَالمَغْفِرَةُ هِيَ الجِسْرُ الَّذِي يَعْبُرُ بِهِ العَبْدُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ، وَهِيَ الحَاجِزُ الَّذِي يَحْمِيهِ مِنَ السُّقُوطِ فِي دَرَكَاتِ العَذَابِ، فَمَنْ نَالَهَا فَقَدْ نَجَا، وَمَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا عَظِيمًا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ وَالمُسْلِمَاتُ: المَغْفِرَةُ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ كَلمَةٍ، بَلْ نُورٌ يُبَدِّدُ ظَلَامَ الذُّنُوبِ، وَرَاحَةٌ تُزِيلُ هُمُومَ القَلْبِ، وَرَحْمَةٌ تَمْلَأُ حَيَاةَ العَبْدِ بِالخَيْرِ والسَّكِينَةِ، فَمَنْ كَانَ يَعِيشُ في وَحْشَةِ البُعْدِ عَنِ اللَّهِ، يَجِدُ فِي المَغْفِرَةِ قُرْبًا وَطُمَأْنِينَةً، ومَنْ كَانَ يُعَانِي مِنْ قَسْوَةِ القَلْبِ، يَجِدُ فِي المَغْفِرَةِ رِقَّةً وإِنَابَةً، وَمَنْ كَانَ يَضِيقُ صَدْرُهُ بِالهُمُومِ والغُمُومِ، يَجِدُ في المَغْفِرَةِ رَاحَةً وَانْشِرَاحًا.
وَلَهَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ مِنَ الاسْتغْفَارِ، وَيَقُولُ في المَجْلِسِ الوَاحِدِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَةً: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ»، رَغْمَ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، فَكَيْفَ بنَا نَحْنُ؟
عبَادَ اللَّه: إِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ الَّتِي نَعِيشُهَا الآنَ هِيَ أَيَّامُ المَغْفِرَةِ، وَهيَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ رَمَضَانَ طَاهِرًا مِنْ ذُنُوبِهِ، وَقَدْ مَحَا اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ، فَلَا تُضَيِّعُوهَا بِالتَّسْوِيفِ وَالتَّكَاسُلِ، وَلَا تَجْعَلُوا الغَفْلَةَ تَحْرِمُكُمْ هَذَا الفَضْلَ العَظِيمَ، اسْتغْفِرُوا اللَّهَ في لَيْلِكُمْ وَنَهَارِكُمْ، وَتَذَكَّرُوا أَنَّ العِبْرَةَ لَيْسَتْ فيمَنْ سَبَقَ، وَلَكِنْ فِيمَنْ صَدَقَ، وَلَيْسَ المهمُّ كَيْفَ بَدَأَ الإِنْسَانُ حَيَاتَهُ، وَلَكنْ كَيْفَ يَخْتِمُهَا.
نَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَرْزُقَنَا وَإيَّاكُمْ حُسْنَ الخَاتمَةِ، وَأَنْ يَمْحُوَ عَنَّا الخَطَايَا وَالذُّنُوبَ، وَأَنْ يَكْتُبَنَا مِنَ المَقبولينَ في هَذَا الشَّهرِ الكَريمِ، إنَّهُ جَوَادٌ كَرِيمٌ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا، وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا، وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا، وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا دِينَنَا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرِنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا دُنْيَانَا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنَا، وَأَصْلِحْ لَنَا آخِرَتَنَا الَّتِي إِلَيْهَا مَعَادُنَا، وَاجْعَلِ الحَيَاةَ زِيَادَةً لَنَا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ المَوْتَ رَاحَةً لَنَا مِنْ كُلِّ شَرٍّ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مِنْ عُتَقَائِكَ مِنَ النَّارِ، وَاكْتُبْ لَنَا المَغْفِرَةَ وَالرَّحْمَةَ وَالرِّضْوَانَ، وَلَا تَجْعَلْ فِي صَحَائِفِنَا ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَهُ، وَلَا هَمًّا إِلَّا فَرَّجْتَهُ، وَلَا حَاجَةً هِيَ لَكَ رِضًا وَلَنَا صَلَاحٌ إِلَّا قَضَيْتَهَا.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ، ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ.
اللَّهُمَّ اهْدِنَا وَسَدِّدْنَا، اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَكَ ذَاكِرِينَ، لَكَ شَاكِرِينَ، إِلَيْكَ أَوَّاهِينَ مُنِيبِينَ.
اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ تَوْبَتَنَا، وَاغْسِلْ حَوْبَتَنَا، وَأَجِبْ دَعْوَتَنَا، وَاهْدِ قُلُوبَنَا، وَسَدِّدْ أَلْسِنَتَنَا، وَثَبِّتْ حُجَّتَنَا.
اللَّهُمَّ احْفَظْ بِلَادَنَا وَبِلَادَ المُسْلِمِينَ، وَاجْعَلْهَا آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً رَخَاءً، وَسَائِرَ بِلَادِ المُسْلِمِينَ.
اللَّهُمَّ احْفَظْ لِلْجَزَائِرِ حُدُودَهَا، وَقَوِّ جُنُودَهَا، وَامْلَأْ سُدُودَهَا، وَاجْعَلِ القُرْآنَ وَالسُّنَّةَ وَقُودَهَا.
اللَّهُمَّ اجْمَعْ شَمْلَ المُسْلِمِينَ عَلَى طَاعَتِكَ، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَاهْدِهِمْ سُبُلَ السَّلَامِ، وَأَخْرِجْهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ.
عِبَادَ اللَّهِ: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90].
فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ الجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ، وَيَغْفِرُ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ، وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ.
للتصفح والتحميل:


