شارك أ.د ياسين بن عبيد، المدير العام للمركز الثّقافيّ لـ #جامع_الجزائر، بمحاضرة بعنوان: “الظّاهرة الرّوحانيّة الجزائريّة عبر العصور، إسهام الأمير عبد القادر”، وذلك في الملتقى الدّوليّ “الجزائر في الحضارة”، الذي نظّمته محافظة #معرض_الجزائر_الدّوليّ_للكتاب في طبعته الثّامنة والعشرين.
وقد قدّم أ.د بن عبيد مداخلته باللّغة الفرنسيّة، مسلّطًا الضّوء على مسألة قدم التّصوّف في الجزائر، مؤكّدًا أن عمره في أرضها هو عمر الإسلام ذاته.
كما تطرّق إلى المكانة الرّمزيّة للأمير عبد القادر (1808-1883م) في التّاريخ الجزائريّ، مبرزًا كيف جمع شخصه بين تألّق الرّوحانيّة وعمق المقاومة ونبل الإنسانيّة. وشدّد على إسهاماته الجليلة في ترسيخ الظّاهرة الرّوحانيّة الجزائريّة، مبيّنًا دوره المحوريّ في حفظ القيم الرّوحيّة ونقلها عبر الأجيال، بوصفه قائدًا عسكريًّا وصوفيًّا وعالمًا، جسّد بمسيرته التزامًا راسخًا بالعدالة والتّسامح والتّعايش، وهي مبادئ أصيلة من تراثنا الرّوحيّ.
وفي سياق حديثه عن القرن التّاسع عشر، أشار المحاضر إلى مساهمة الأمير عبد القادر في توحيد القبائل الجزائريّة لمقاومة الاحتلال الفرنسي، متّخذًا من التّصوّف، لا سيّما الطّريقة القادريّة، منطلقًا روحيًّا عميقًا. وقد استلهم من تعاليم ابن العربيّ وغيره من العارفين رؤية للإسلام تتجاوز المعرفة الظّاهريّة إلى الباطنيّة، مقدّمًا فهمًا عميقًا للجهاد؛ حيث اعتبر “الجهاد الأصغر” (المقاومة المسلّحة) متّصلًا بـ “الجهاد الأكبر” (مجاهدة النّفس). هذا المنهج الرّوحانيّ أسهم في تعزيز هويّتنا الرّوحيّة الوطنيّة في وجه التّحدّيات الاستعماريّة.
كما أبرز أ.د بن عبيد رؤية #الأمير_عبد_القادر الكونيّة للإنسانيّة، مذكّرًا بموقفه الشّهير في دمشق، حيث حمى الطّوائف المسيحيّة من الاضطهاد، مجسّدًا بذلك قيم التّعايش الدّينيّ المتأصّلة في قيمنا الإسلاميّة والجزائريّة. وأكّدت المداخلة على عمق فكره في مؤلّفاته، مثل “كتاب المواقف”، التي تظهر بعدًا روحيًّا وفكريًّا عميقًا في العدالة ووحدة الوجود الإنسانيّ، ممّا جعل تأثيره يمتدّ إلى الأجيال اللّاحقة.
واختتم أ.د ياسين بن عبيد محاضرته بالتّأكيد على أنّ الإرث الرّوحيّ للأمير عبد القادر يظلّ مصدرًا للإلهام في الجزائر المعاصرة، فمبادئه في الحوار بين الأديان والمقاومة اللاعنفيّة ضدّ الظّلم تتردّد ضمن النّقاشات حول الهويّة الوطنيّة والرّوحانيّة. ومن خلال رؤيته المتفرّدة للإنسانيّة في الإسلام، أسهم في بلورة ظاهرة روحيّة تتجاوز الأزمنة، وتجمع بين الأصالة والمعاصرة. وتدعو مداخلته إلى إعادة قراءة هذا الإرث العظيم، بوصفه جزءًا من ماضينا المشرق ومستقبلنا الواعد، وتقديمه كآفاق جديدة لحوار روحيّ وثقافيّ عالميّ.
ويعدّ الملتقى الدّوليّ “الجزائر في الحضارة”، المنظّم بمناسبة معرض الكتاب، منصّة فكريّة جامعة لإبراز عمق الإبداع الحضاريّ الجزائريّ، من خلال استعراض الآثار والنّقوش والتّراث المادّيّ واللاماديّ. ويسهم هذا الملتقى في ربط الأجيال بماضيهم المشرق، وتأكيد أن حوار الثّقافات يكرّس القيم الإنسانيّة التي لا تنهض إلا بالاجتهاد والإبداع، وهو الحصن المنيع للهويّة الوطنيّة الموحدة والهوّيّة الجامعة، التي تعكس رسالة جامع الجزائر باعتباره منارة للعلم والوحدة.







