Scroll Top

كلمة عميد جامع الجزائر في ملتقى: “نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خلال الحركة الوطنيّة وثورة أوّل نوفمبر”

  بسم الله الرحمن الرحيم

عميد جامع الجزائر: “من أجل إعادة صياغة المرجعيّة، عبر الوفاء للماضي، ومراعاة تحوّلات العالم”.

جاء ذلك في كلمة السّيّد محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ ، في الملتقى الوطنيّ الذي نظّمته جمعية العلماء المسلمين الجزائريّين، تحت عنوان:              “نشاط جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريين خلال الحركة الوطنيّة وثورة أوّل نوفمبر “.

نصّ كلمة السيّد العميد:


 

  • في الذّكرى ترتفع الأرواح إلى مقام الشّهداء.

نلتقي اليوم في مقام لهُ من الجلال قدره، وفي زمان له من الرّمزية جلاله وذكره. نلتقي في ذكرى استرجاع السّيادة واستعادة الاستقلال، ذكرى غالية، تحرّك في القلب سكينة ممزوجة بمهابة اللّحظة، ورحابة الدّلالة والمعنى. في هذه الذّكرى ترتفع الأرواح إلى مقام الشّهداء، وتجتمع الذّاكرة عند أعتاب الملاحم. نقف في عيد الاستقلال عند حمى الوطن، كعهد ووفاء ورسالة، كما استرجعناه بالأمس، كأرض وإقليم وحدود. نستعيد الوطن في قُبلة شعب أصيل على جبين شهيد، وفي مآذن ما انحنت إلا لله، وفي علم يُرفع لتقف له الجموع توقيرا واعتزازا.

 

  • بين الحدثين: خيط من نور، ومن عزم وصبر وصمود.

قرن مضى على صدور جريدة “المنتقد”، إحدى وسائل الكفاح بالكلمة، وثلاث وستّون سنة مرّت على استعادة الاستقلال. وما بين الحدثين خيط من نور، ومن عزم وصبر وصمود، ورباط وصدام شريف مع الباطل، وكفاح مرير ضدّ قوى الشرّ والاستدمار. “المنتقد” كانت مع أخواتها صوتَ أمّة، أريد لعقيدتها أن تُجتثّ، ولهُوّيتها أن تُطمس، ولذاكرتها أن تُنهب. فجاء الشيخ عبد الحميد بن باديس، رحمه الله، والعلماء الذين استجابوا لدعوته، وفيهم نخبة من شيوخ الزوايا، كان بينهم والدي، رحمه الله، شيخ الزّاوية القاسمية، السيّد مصطفى بن محمّد القاسميّ، وخالي ابن عمّه الشيخ عبد القادر بن أبي القاسم القاسميّ.  والتفّ اولئك السّابقون الأوّلون حول رائد النّهضة الجزائريّة، من أجل التّأسيس لمشروع إسلاميّ أصيل، يجمع فكره بين العقيدة والبصيرة، وبين الأصالة والتجديد؛ ومنهجه يسعى في غاياته إلى استعادة الإسلام هيبته وإشعاعه، والعربيّة مكانتها وسلطانها، والجزائر هوّيتها وأصالتها.

 

  • معركة علماء الجزائر كانت بحِبرٍ مقاوم، ونَفَسٍ صوفيٍّ مجاهد.

وفي ظلّ هذه اليقظة، تآلفت الأقلام والمنابر؛ وتلاقى على صعيد الشّرف والجهاد رجال الجمعيّة ورجال الزّوايا العلميّة، كان جهادا بالكلمة، يعاضده جهاد الرّوح. كان جهادا بنشر العلم ومكافحة الجهل. كان جهادا بتربيّة النفوس، وإعداد الأجيال لليوم الموعود.

لقد أدار علماء الجزائر معركتهم الطويلة بحِبر مقاوم، وبنَفَس صوفيّ مجاهد، وبتجذَر عميق في تربة الأمّة عبر تاريخ بالأمجاد حافل. وهذا الجهاد الشعبيّ، هو ما نصفه، بالمقاومة الرّوحية الفكرية. التي كانت فرنسا تخشاها وتحسب لها ألف حساب.

ولعلّ بعض الأبحاث التي تقدّم في هذا الملتقى، تلقي مزيدا من الأضواء على هذه المقاومة، وتظهر ما كان لها من دور فعّال، في النّضال والكفاح التّحرّري. مع العلم بأنّ الوثائق التاريخية، وكذا وثائق الاستخبارات الفرنسيّة، حافلة بهذه الحقائق التّاريخية.

 

  • انتصار الجزائر كان انتصارًا للأصالة، وللقيم الرّوحيّة والوطنيّة.

بعد هذه المعركة الطّويلة، جاء استقلال الجزائر، ثمرة جهاد متراكم، جهاد شعبيّ لا طبقيّ، جهاد روحيّ لا نخبويّ، جهاد جماعيّ لا فرديّ. وكان انتصار شعبنا على جلاّديه، من جحافل المحتلّين، انتصارا للقيّم الروحيّة والوطنيّة التي كان التحامها عاملا فعّالا في المحافظة على وحدة الشّعب الجزائريّ، وتماسكه وانسجامه. كان نصر الجزائر إعلانا لانتصار القيم والثّوابت الوطنيّة، وانتصار الرّوح على المادّة، والوفاء على الخيانة، وانتصار الهويّة والأصالة على ثقافة الاغتراب والاستلاب.

إنّ كلّ أمّة تفقد ذاكرتها، تفقد تباعا كلّ ما تبقّى من ملامحها. أمّا الأمّة التي تجيد تحويل الذكرى إلى عهد، والماضي إلى فكرة، والتّاريخ إلى حمل أمانة المسؤوليّة، هي أمّة تعرف كيف تمشي، ومتى تقف، وإلى أين تتّجه وتسعى.

 

  • استقلال الجزائر كتاب من الوفاء، لا يمحى ولا يطوى.

إنّ جامع الجزائر، وهو بيت العلم والإيمان، يحمل هاته الذّكريات في قلب رسالته، يحييها بمنابر الدّعوة، ومجالس العلم، ومدارس التّكوين، وساحات الوجدان، ليظلّ شاهدا على أنّ الاستقلال لم يكن لحظة انفلات من قيد، بل كان انبثاق نور من عتمة طويلة، وكتابا من الوفاء، لا يمّحي ولا يطوى.

 

  • بناء العقل المرجعيّ الجزائريّ مسؤوليّة جماعيّة.

في جامع الجزائر، اليوم، نحمل هذا السّفر المقدّس؛ لا لنعيده كما كان، بل لنجعله نبعا لحكمة جديدة؛ ولنعيد فيه صياغة المرجعيّة، لا عبر استنساخ الماضي، ولكن عبر الوفاء له، من داخل التّحوّلات الكبرى التي يعيشها مجتمعنا، كما يعيشها العالم من حولنا.

إنّ أمّتنا بحاجة إلى الممارسة الواعية للتّلقّي من كتاب الله، وسنّة رسوله، صلّى الله عليه وسلّم، وحسن تمثّل المنهاج القرآني، في الإصلاح التربوي والاجتماع. وإنّ جامع الجزائر،                          والمجلس الإسلامي الأعلى، وكافّة القطاعات المختصّة، والهيئات العلمائية، مثل جمعيّة العلماء المسلمين الجزائريّين؛ وتلكم العاملة في حقل التّربية والدّعوة الإسلاميّة، مدعوّون معا إلى مواصلة بناء العقل المرجعيّ الجزائري، عقل يتغذّى من العلم والوجدان، ومن مقوّمات الحياة الروحيّة؛ وسبيله الكلمة الهادية، التي تخاطب العقل ولا تهمل القلب؛ وتتّجه في غاياتها إلى إغناء الحياة الرّوحيّة، دون إغفال لمقتضيات الحياة المادّية.

 

  • معاقل العلم والتّربية والجهاد: كانت وستظلّ الحصون المنيعة للإسلام.

في مواجهة خطاب الهشاشة والرّداءة، واستيراد الفتوى، وتهميش الرّموز الجامعة، ما أحوج الجزائر إلى رجال يعقلون الطّريق، ويرشدون الحائرين، إذا عُدم لديهم الدليل، أو التبس عليهم السّبيل.

فطوبى لأولئك الرّجال الأبرار، الذين بذلوا جهودهم ووسعهم على امتداد التّاريخ الطويل. طوبى للقلاع الرّبانية التي احتضنت الحَرف والّلوح، كانت معاقل للعلم والتّربية والجهاد. كانت الحصون المنيعة للإسلام، لاذ بركنها شعبنا، فحفظت له القرآن، ولغة القرآن؛ وحفظت له عقيدته وقيمه وثوابته، ومقوّمات شخصيّته.

إنّ الجزائر الّتي تتمسّك بالإسلام، منذ أن أنارها بنور هداه: بالقرءان اهتدت، وبالقرءان جاهدت وانتصرت، وبه يكون قوام حياتها؛ وبه ستبقى آمنة، إن شاء الله، محفوظة بما حفظ به القرءان.

طوبى للعلماء الرّاشدين، إذا نهضوا وعملوا؛ فبهم تصان الملّة، وتشاد الدّولة؛ وبهم تحقّق الأمّة نهوضها المأمول، وإقلاعها الحضاريّ المنشود، في ظلّ ثوابتها الوطنيّة، ومقوّمات شخصيّتها الأساسيّة.

 

  • من أجل تأهيل الأجيال لحمل أمانة الاستقلال.

يطيب لي أن أذكّر، في هذا المقام، بما قلته في ذكرى استرجاع الحرّية والسّيادة، متحدّثا عن تثبيت دعائم الاستقلال، وتأهيل الأجيال لحمل أمانة الاستقلال:

” إنّ أمانة الاستقلال هي الجزائر، بوحدة شعبها، ووحدة أرضها. بآمالها وآلامها. بماضيها المجيد، وحاضرها المتطلّع إلى التجديد، وبناء المستقبل، في ظلّ قيمها وانتمائها الحضاري الأصيل”.

رحم الله شهداءنا الأبرار. هنيئا لهم ما أعدّ الله للمؤمنين الّذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، باعوا أنفسهم لله، واشتراها منهم بنعيم مقيم، بجنّة عرضها السّماوات والأرض أعدّت للمتّقين. رحم الله شهداءنا الّذين ارتقوا في أرض الجزائر، وشهداء الأمّة الّذين يرتقون في غزّة العزّة، وفي أرض الرّباط.

والله نسأل لأهلنا وأشقّائنا في فلسطين أن يربط على قلوبهم، ويثبّت أقدامهم، وينصرهم على عدوّه وعدوّهم. نسأله تعالى لهم فرجا قريبا، وفتحا مبينا، ونصرا مؤزّرا عزيزا. وندعوه، جلّت قدرته، أن يحفظ لبلادنا أمنها واستقرارها ووحدتها؛ ويديم في ظلّ الإسلام قوّتها وعزّتها ومناعتها. كما نرجو لأعمال ملتقانا المبارك، النّجاح والرّشاد. ولأعمالنا جميعا، دوام التّوفيق والسّداد.

 

﴿ وَقُلِ اِ۪عْمَلُواْ فَسَيَرَي اَ۬للَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَالْمُومِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَيٰ عَٰلِمِ اِ۬لْغَيْبِ وَالشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَۖ. ﴾   [التوبة: 105]

اللهمّ اجعلنا من الّذين يقولون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون. إنّك وليّ ذلك والقادر عليه. والله وليّ الإعانة والتّوفيق.

والحمد للّه ربّ العالمين