﷽
الملتقى الوطني حول مكانة الطبّ النّبوي في الطبّ التّقليدي والتّكميلي
تحت شعار: ” تكامل أصيل بين: الطبّ الرّوحي والنّفسي والجسدي “
كلمة الافتتاح لعميد جامع الجزائر، السيّد محمّد المأمون القاسمي الحسني.
يوم الاثنين 28 ذي القعدة 1446ه، الموافق 26 مايو 2025م
حضرات السّادة الأفاضل والسيّدات الفضليات، أيها الحضور الكريم، كلّ باسمه ومقامه.
السّلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد؛
فيطيب لي أن أرحّب بكم في جامع الجزائر، هذا الصرح الدّينيّ الشامخ، الّذي نريده حصنًا منيعًا للمرجعيّة الدّينيّة الجامعة، ومنارةً يكون فضاؤها محرابًا للعبادة، ورحابها فضاءً للعلم النافع، ومنصّة توازن معرفيّ؛ حيث يلتقي الطبيب بالفقيه، والمهندس بالخبير؛ وحيث يتحاور العلم والإيمان.
إنّها رسالة إلى أهل العلم والمنشغلين بالبحث: أنّ بين الجامع وعيادة الطّبّ تكامل الأدوار. فلا ينبغي أن تُبنى حواجز بين علم الشّريعة وعلم الحياة. فهما في الأصل من مشكاة واحدة: معرفة الإنسان لخالقه ولنفسه، وللكون وللحياة؛ وهذا ما حرصنا عليه، في دار القرآن، في هذه المدرسة الدكتورالية؛ حيث جمعنا في تخصّصاتها التّكوينيّة بين العلوم الدينيّة والعلوم الكونيّة.
ونحن في هذا الملتقى: نبحث في الطبّ النبويّ، ومكانته في الطبّ التقليديّ والتكميليّ، ينبغي أن يكون البحث، في هذا المجال، عملاً علمياًّ رصيناً، لا انفعالاً عاطفياًّ، أو مجرّد شعارات ترفع وتتردّد. ومسؤوليّتنا اليوم أن نُخرج الطبّ النبويّ من التجاذب بين الإفراط والتفريط، بين التقديس المطلق، والإقصاء الجذري.
نحن بحاجة إلى تحديد المفاهيم، عند الحديث عن الطبّ النبويّ ومكانته في الطبّ التّقليديّ، وعن التّكامل بين الطبّ الرّوحيّ والنفسيّ والجسدي. نحتاج إلى إطار قانويّ يضبط هذا المجال، ويصون مشروعه، وينفي عنه الشوائب، ويبعد من ساحته الدخلاء والأدعياء.
ينبغي أوّلًا: تأصيل المفهوم، وبيان أنّ الطبّ النبويّ ليس بديلًا عن الطبّ الحديث؛ وليس علمًا طبّيًّا، بالمعنى التجريبيّ المعروف. بل هو هدي نبويّ، يتعامل مع الإنسان، ككائن جسديّ وروحيّ. فالله سبحانه خلق الإنسان، ونفخ فيه من روحه. وميزة الإسلام أنّه لا يعتبر الإنسان جسدًا فحسب، ولا روحًا خالصة؛ وإنّما يعتبره مزيجًا بين الاثنين، وأقام تعادلًا بين هذا التركيب، وشرع من الدّين ما يعطي الروح صفاءها وإشراقها، ويعطي الجسد ما يستجيب لمطالبه ويلبّي حاجاته.
الطبّ النبويّ يعتني بالعافية قبل المرض، وبالوقاية قبل العلاج، ويربط الوقاية بالإيمان والصّحّة بالسّلوك. حين نقرأ أحاديث رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، في الطبّ النّبويّ، لا نفهمه بمعزل عن بيئتها، بل ينبغي أن تستوعب في ضوء مقاصدها ومبادئها الكبرى.
ثانيًا: ومن أجل قراءة معرفيّة للطبّ النبويّ، بين التوقيف والتّجريب: ينبغي أن نعلم أنّ ما ورد في الطبّ النبويّ ليس كلّه تشريعًا ملزمًا؛ بل منه ما هو من قبيل الخبرة، أو التّعبّد، أو التّوجيه الوقائي.
ومن ثمّ، لابدّ من التفريق بين ما يلزمنا الاتّباع فيه، مثل المبادئ العامّة، كالنّظافة، والحمية، والاعتدال، وبين ما يترك للعلم والتّجريب، كطرق العلاج، وتطوّر الطبّ الحديث.
ثالثًا: الطبّ التكميليّ، ليس نقيضًا للطبّ الحديث، بل هو مكمّل له؛ ويذكّرنا بأنّ الجسد ليس آلة، بل كيانا له ذاكرة وحكمة؛ ويعمل بالتّناغم مع النّفس. والرّسالة الدّينيّة تدعو إلى استكشاف الأسباب، وتشجّع على معرفة العلل. فالدّين لا يناقض الطبّ؛ بل يؤصّله أخلاقيّا، ويرشّده روحيًّا، ويوسّعه إنسانيًّا. ويذكّرنا بأنّ الشّفاء في النّهاية من عند الله.
وخلاصة القول: إنّنا نريد طبّا يُنصت للأنين، لا للآلة الطبيّة وحدها. نريده طبًّا لا يعالج الإنسان العليل فحسب، بل يذكّره بأنّه ليس وحده، وأنّ في الكون رحمة تسري، وقدرة تشفي، وعلما يسجد في محراب الخالق جلّ وعلا.
في هذا المقام، يطيب لي أن أنوّه بالأعمال العلميّة والأبحاث الجادّة، الّتي أنجزتها الهيئة الوطنيّة لترقية الصّحة وتطوير البحث العلمي، بقيادة رئيسها الأستاذ مصطفى خيّاطي، الّذي عرفته أكثر من خمسة عقود، وهو يقطع خطواته نحو البحث العلميّ الجادّ.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ ٱعۡمَلُواْ فَسَيَرَى ٱللَّهُ عَمَلَكُمۡ وَرَسُولُهُۥ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَٰلِمِ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ﴾ [ التوبة: 105]. نسأله، جلّت قدرته، أن يعلّمنا ما ينفعنا، ويزيدنا علمًا نافعًا، وأن يجعلنا من الّذين يقولون فيعملون، ويعملون فيخلصون، ويخلصون فيقبلون.
بارك الله في جمعكم، وأنجح ملتقاكم، ووفّق للصّالحات عملكم ومسعاكم.
والله وليّ الإعانة والتّوفيق.

