بإشراف السّيّد وزير الدّولة، #عميد_جامع_الجزائر، الشّيخ محمّد المأمون القاسميّ الحسنيّ؛ احتضن المركز الثّقافيّ لجامع الجزائر، صبيحة اليوم الأربعاء 11 ربيع الآخر 1448هـ، الموافق 23 سبتمبر 2026م، تأبينيّة عضو المجلس العلميّ للجامع، شيخ الزّاوية التّجانيّة بتماسين، الشّيخ محمّد العيد التّجانيّ التّماسينيّ، رحمه الله.
شهدت التّأبينيّة، التي نظّمها المجلس العلميّ لجامع الجزائر، حضور الخليفة العامّ للطّريقة التّجانيّة، الشّيخ علي بلعرابي، ورئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى، الأستاذ مبروك زيد الخير، وجمع كبير من المشايخ والعلماء، ونواب البرلمان، وإطارات سامية في الدولة؛ فضلا عن أعضاء المجلس الإسلاميّ الأعلى، وإطارات جامع الجزائر، وأعضاء مجلسه العلميّ، وممثّلين عن الزّاوية التّجانيّة بتماسين، ونخبة من الأساتذة، والأئمّة، وطلبة العلم.
في كلمة افتتاحيّة، أكّد السيّد العميد أنّ” الاجتماع في رحاب هذا الصّرح الشّامخ يأتي لاستذكار أخ عزيز، وعالم فاضل، وشيخٍ مربٍّ، اختاره الله إلى جواره، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في خدمة العلم والقرآن والوطن والأمّة”.
وأوضح أنّ ” اللّقاء لا يقف عند مجرّد استشعار غياب رجلٍ من رجالات الجزائر، بل يتجاوزه إلى الوقوف عند معنى الغياب، حين يكون الرّاحل من الرّجال الصّالحين الّذين جعل الله آثارهم في النّاس حياة بعد رحيلهم”؛ مؤكّداً أنّ المرء لا يُقاس بعدد السّنين الّتي عاشها، وإنّما بما تركه من أثرٍ في النّفوس، وما غرسه في الأجيال، مستشهداً بقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَىٰ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾.
وتوقّف عند مسار الفقيد، مبرزاً دلالاته العميقة؛ وهو الذي”نشأ في أحضان الزّاوية بتماسين؛ حيث تعلّم القرآن، وتشبّع بالتّربية الرّوحيّة، والثقافة الإسلامية؛ ثمّ انفتح على الجامعة، فدرس الفيزياء، ونال الدّكتوراه، ومارس التّأطير الأكاديميّ، قبل أن يحمل أمانة مشيخة الزّاوية، خلفاً لوالده الشّيخ محمّد البشير رحمه الله؛ ممّا جعل مساره شاهداً ساطعاً على أنّ العلم في التّصوّر الإسلاميّ لا يعرف الجزر المتباعدة، وأنّ التّديّن الصّحيح لا ينفصل عن مواكبة مقتضيات العصر”.
وأشار الشّيخ القاسميّ إلى أنّ “قيمة العالم تتجلّى في استعادة الإنسان المسلم في وحدته التّكامليّة: عقلٌ يتعلّم، ويدٌ تعمل، وقلبٌ يتعبّد” ؛ مبيّناً أنّ ” أزمة العصر لا تكمن في نقص المعلومات، بل في كيفيّة تحويل المعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى سلوك، والسّلوك إلى عمران”.
وأكّد أنّ جامع الجزائر، باحتضانه هذه التّأبينيّة، عبر مجلسه العلميّ الّذي كان الفقيد أحد أركانه، ” إنّما يُكرّم قيمة العالم الجامع بين رسوخ الأصل والانفتاح على العصر؛” لافتاً إلى أنّ” المسافة بين تماسين والجزائر العاصمة تختصرها حقيقةٌ واحدة: أنّ العلم الصّادق لا تحُدّه الجغرافيا، وما يُغرس في زاويةٍ من زوايا الجزائر يغدو جزءاً من الذّاكرة العلميّة والرّوحيّة للأمّة كلّها”.
توالت عقب ذلك كلمات الشّخصيّات المشاركة؛ حيث استهلّ المداخلات رئيس المجلس العلميّ لجامع الجزائر، السيّد موسى إسماعيل، مبرزاً أنّ الفقيد كان شخصيّةً فذّة، جمع بين صدق القول وإخلاص العمل، ونذر حياته لخدمة الدّين والوطن؛ مستحضراً لقاءه الأوّل به في زاويته بتماسين، ثمّ رفقته في المجلس العلميّ بالجامع، حيث أظهرت إسهاماته كيف يوازن باقتدار بين الرّسوخ في الأصول والتّجديد الإبداعيّ، في سمت وقور ودماثة خلق مشهودة.
وفي كلمة تلاها الشيخ عبد القادر قيبوب، إمام مسجد سيّدي محمد الحبيب، بمدينة عين ماضي، نيابة عن الخليفة العامّ للطّريقة التّجانيّة، عبّر عن أسمى آيات الشّكر والتّقدير إلى السّيّد رئيس الجمهوريّة، عبد المجيد تبّون، على دعمه المتواصل لأهل العلم وبيوت الله، وإلى السّيّد عميد جامع الجزائر؛ مبرزاً أنّ الرّاحل قاد مشيخة تماسين لأزيد من ربع قرن بمنهاج “الخلق كلّهم عيال الله”، حامياً للمرجعية الدينية، ساعياً في جمع الكلمة ورأب الصّدع، وإصلاح ذات البين.
واستهل رئيس المجلس الإسلاميّ الأعلى كلمته بالتّذكير بسنّة الفناء، وحتميّة الرّحيل، مشيداً بالفقيد كعالمٍ زاوج بين مدارك الفيزياء والذّوق الصّوفيّ العرفانيّ؛ ممّا جعل التّصوّف عنده رقّةً في المعاملة وحكمةً عمليّة؛ واختتم كلمته بقصيدة رثائيّة مؤثّردة، أكّدت أنّ أثر الشّيخ سيبقى نوراً سارياً يربط بين تماسين وعين ماضي وسائر حواضر الوطن.
واستعرض السّيد محسن التجاني، ممثّل شيخ الزّاوية التّجانيّة بتماسين، بدوره، المسار التّاريخيّ والأكاديميّ للفقيد، مذكّراً بتولّيه مشيخة الزاوية، عام 2000م؛ .معدّداً إنجازاته في تشييد المجمّعات الثّقافيّة والمكتبات البحثيّة، ومشاريع التّنمية البيئيّة، وتتويجه بوسام السّلم؛ تقديراً لمواقفه المشهودة في إخماد الفتن، وإصلاح ذات البين بالجنوب الشّرقيّ.
واختتمت المداخلات بكلمتي عضوين بالمجلس العلميّ لجامع الجزائر؛ حيث أوجز الأستاذ الدّكتور عبد الوهاب العمري هموم الفقيد في صناعة إنسان الحضارة الجامع بين الرّوح والمادّة، منوّهاً بخصلة العفو والصّفح لديه.
واستعادت الأستاذة زبيدة أخروفة شهادتها الميدانيّة، عند زيارتها لزاوية تماسين، واصفة إيّاها بخلية نحل تفيض بالذّكر ومظاهر التّكافل الاجتماعيّ.















